ذات صلة

جمع

«40 ثانية» حوَّلت جنسيّتنا إلى ورقة… غُربة لبنانيّي ساحل العاج

كيف تحوّل مقطع هادئ عن حق المتجنّسين في الترشح إلى موجة كراهية رقمية حصدت ملايين المشاهدات، بينما بقي الشارع في أبيدجان أهدأ من شاشاته؟

مزاد على الظل.. مصر بين خطابات «التشجير» ومناشير المحليات

في رحلته الدورية من مواقع البناء في القاهرة إلى...

سيد درويش.. حين لم يعد الشعب يسمع فقط وبدأ يغنّي

في 15 سبتمبر 1923 — لا العاشر منه، كما...

شيك نوبل على بياض.. كيف سحق آبي أحمد الصحافة الإثيوبية المستقلة

على بعد كيلومترات قليلة من مقر الاتحاد الإفريقي في...

يوتوبيا.. تخيل الحياة في بلدك دون بلاستيك

في أحد أسواق الخضروات والفاكهة الشعبية في إمبابة، لا...

«40 ثانية» حوَّلت جنسيّتنا إلى ورقة… غُربة لبنانيّي ساحل العاج

في زاوية معتمة من مقهى هادئ في حي "ماركوري" بأبيدجان، الذي يُعرف باسم "بيروت الصغيرة" لكثرة أبناء الجالية اللبنانية المقيمين فيه، يجلس مواطن من أصول لبنانية في أواخر الثلاثينيات، ارتسم على ملامح وجهه قلقٌ بالغ هذه الأيام. يتابع منصات التواصل الاجتماعي فيزداد توتره وقلقه؛ حملات إلكترونية تتضخّم يومًا بعد يوم، وقد تنتهي إلى استهداف أبناء جاليته جسديًا: بملامح وجوههم، وأماكن تجمّعاتهم، والمقاهي التي يجلسون فيها. سامي، وهو اسم مستعار، طلب في حديثه مع "أصوات إفريقية" عدم الكشف عن هويته، خوفًا من حملات التحريض الرقمية التي تستهدف حاملي الأسماء اللبنانية في ساحل العاج.

وُلد سامي في أبيدجان، وتحدث "النوشي"، عامية الشارع الإيفواري، قبل أن يتقن لغة أجداده، ولم يعرف وطنًا سوى هذه الشواطئ المطلة على الأطلسي، ولا شغفًا سوى متابعة منتخب البلاد في كأس الأمم الإفريقية. طوال حياته، وسيرًا على خطى آبائه، عمل في التجارة؛ وهي مهنة يراها سامي تتطلب قدرًا كبيرًا من الودّ والألفة مع المجتمع المحيط لضمان نجاحها.

يفتح على هاتفه، بيدين ترتجفان قليلًا، مقطع فيديو لا تتجاوز مدته أربعين ثانية، ويقول بصوت خفيض: "هذا الفيديو هو السبب.. أربعون ثانية كفيلة بأن تجعلنا جميعًا نشعر أن جنسيّتنا ورقة قد تُنتزع في أي لحظة".

بداية الكابوس: مقطع فيديو هادئ

سُجّل المقطع المثير للجدل نحو الرابعة من عصر يوم 6 نوفمبر 2025، حين رفع رجل الأعمال الإيفواري من أصول لبنانية، حسين الخياط، هاتفه ليتحدث بهدوء عن المادتين 70 و71 من القانون الانتخابي. أكد في المقطع، المنشور على حسابه في تيك توك (hussk09)، أن المادتين تكفلان لكل مواطن متجنّس استوفى الشروط حق الترشح للمجالس البلدية والنيابية، ومنهم أبناء الجالية اللبنانية. وأعلن نيته الترشح في أغبوفيل، البلدة التي ينحدر منها جدّه.

ولم يأتِ المقطع من فراغ؛ فقد كان الخياط يردّ على شائعات متداولة تزعم أن المتجنّسين لا يحق لهم الترشح، بعد عام من موجة كراهية سابقة ضد الجالية في نوفمبر 2024.

لم يقل الخياط شيئًا يخالف القانون؛ فالمادة 72 من القانون الانتخابي لا تحرم من الترشح إلا من مضى على تجنّسه أقل من عشر سنوات، وهو ما طبّقته اللجنة الانتخابية المستقلة في قرارها الصادر في 18 نوفمبر 2025. وقد أكّد النائب تيموكو أنطوان أسالي، في تصريح لقناة "لايف تي في"، أن المتجنّس يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها أي إيفواري آخر.

ومع ذلك، تحوّل المقطع، بحسب توثيق منصة "فاكت تشيك كونغو"، في تحقيق أُنجز بدعم من الأكاديمية الإفريقية للتحقيقات مفتوحة المصدر التابعة لمنظمة "كود فور أفريكا"، إلى فتيل لموجة كراهية رقمية آخذة في الاتساع والانتشار؛ إذ تجاوز، حتى نشر التحقيق في 4 ديسمبر 2025، 395 ألف مشاهدة و10,800 إعجاب و1,800 عملية حفظ على تيك توك، وأُعيد تداوله في أكثر من 60 منشورًا على فيسبوك جمعت أكثر من 7,400 تعليق، أي نحو 123 تعليقًا للمنشور الواحد.

الشرارة · 6 نوفمبر 2025 · تيك توك

أربعون ثانية من حديثٍ هادئ عن القانون

مقطع رجل الأعمال حسين الخياط عن حق المتجنّسين في الترشح، وما حصده حتى 4 ديسمبر 2025.

0:00SECONDS
0
مشاهدة على تيك توك
0
إعجاب
0
عملية حفظ
ثم على فيسبوك: أكثر من 60 منشورًا و7,400 تعليق
نحو 123 تعليقًا لكل منشور
كل نقطة تعليق واحد: 7,400 نقطة.
المصدر: منصة «فاكت تشيك كونغو» (4 ديسمبر 2025)أصوات إفريقية

ومع أن التعليقات كانت معطّلة على المقطع الأصلي في تيك توك، فإن منشورًا لصفحة "كاش إيفوار" على فيسبوك أعاد تداوله في 12 نوفمبر 2025 تراكمت تحته تعليقات تحريضية وثّقتها المنصة، منها: "جنسيتك مجرد ورقة يمكن انتزاعها منك"، و"لن تكونوا شيئًا في هذه البلاد، ستهربون قريبًا جدًا".

بالنسبة لسامي، بدت هذه "التريندات" بداية كابوس يتسلل يوميًا إلى حياته، مهددًا تجارته، ومتسللًا إلى نظرات جيرانه إليه، حتى بات يمسّ أمن عائلته.

هدوء وتعايش بعيدًا عن الخوارزميات

الجالية المستهدفة ليست طارئة على جغرافية ساحل العاج، ولا وافدة الأمس؛ فجذورها تضرب عميقًا في البلاد منذ مطلع القرن العشرين.

وتروي الذاكرة المتداولة أن عبد اللطيف فخري، القادم من قرية زرارية في جنوب لبنان، وصل عام 1921 إلى شواطئ غراند باسام التاريخية، مستفيدًا من سهولة التنقل بين البلدين إبّان الحكم الفرنسي (الانتداب على لبنان، والاستعمار في ساحل العاج)، ساعيًا إلى توسيع تجارة عائلته التي بدأت في داكار. وسرعان ما لحق به أبناء بلدته والقرى المجاورة، لتتوسع الجالية اللبنانية في ساحل العاج على مدى أكثر من قرن، وتصبح واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في إفريقيا. وامتد نشاط أبنائها من الدكاكين الصغيرة في أزقة تريشفيل إلى استيراد السلع الأساسية، ثم إلى الاستثمار في قطاعات عقارية وصناعية كبرى.

في ساحل العاج، مزحة يرددها الناس لوصف الشخص الغاضب: "غاضب مثل لبناني أُجبر على أخذ إجازة". وتختزل هذه المزحة تعكس هذه المزحة ملمحين عن اللبنانيين هناك: التواجد القوي في المجتمع وحب العمل والإنتاج.

وتتراوح تقديرات حجم الجالية اليوم بين 50 ألفًا مسجّلين لدى القنصلية ونحو 100 ألف شخص. وقد برزت عائلات عديدة منها على الخريطة التجارية للبلاد، مثل عائلة عُمَيس، الرائدة في صناعة البلاستيك وقطاع الفنادق. ولم يكن جميع الوافدين من الشيعة؛ فثمة عائلات مسيحية أيضًا، منها عائلة الطبيب اللبناني جوزيف خوري، مؤسس عيادة "أفيسين" (Polyclinique Avicenne) في أبيدجان، ورئيس غرفة التجارة والصناعة اللبنانية في ساحل العاج، وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي منذ عام 2014.

ومنح هذا النجاحُ الجاليةَ حضورًا اقتصاديًا لافتًا، رغم صغر حجمها قياسًا بعدد سكان يتجاوز 30 مليون نسمة. ويرسل كثيرون من أبنائها أولادهم لإكمال دراستهم في أوروبا وأمريكا، قبل أن يعودوا إلى ساحل العاج.

الشارع · قرنٌ من الجذور

ليسوا «وافدي الأمس»

من جنوب لبنان إلى شواطئ الأطلسي: كيف تشكّلت واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في إفريقيا، وكم تمثّل اليوم من سكان البلاد.

جنوب لبنان
منه جاء أغلب الوافدين الأوائل؛ وتروي الذاكرة المتداولة قصة عبد اللطيف فخري من قرية زرارية
داكار، السنغال
محطة تجارية على طريق الهجرة في غرب إفريقيا الفرنسية
مطلع القرن العشرينغراند باسام
الوصول إلى ساحل العاج، ثم موجات متتالية من الأقارب وأبناء القرى
اليوم50–100 ألف
من نحو 50 ألفًا مسجّلين قنصليًا إلى نحو 100 ألف في أعلى التقديرات
نصف دائرة إلى دائرة واحدة من 300
كل دائرة ≈ 100 ألف نسمة (أكثر من 30 مليونًا)الجالية اللبنانية ≈ 0.2–0.3%
01دكاكين صغيرة في أزقة تريشفيل
02استيراد السلع الأساسية
03استثمارات عقارية وصناعية كبرى
المصدر: فرانس برس (مارس 2026)؛ موندافريك؛ أفريكا تشيك؛ جون أفريك. عدد السكان: تعداد 2021 والتقديرات اللاحقةأصوات إفريقية

وثمة عامل آخر أسهم في هذا النجاح، هو إقصاؤهم من الوظائف الحكومية في الدول الإفريقية التي استقروا فيها، ما دفع كثيرين منهم إلى دراسة تخصصات تتيح العمل الحر، كالهندسة المعمارية والطب، فيما واصل آخرون تجارة آبائهم الموروثة. وجعل ذلك كله من هذه الجالية أحد المحركات الاقتصادية للبلاد.

لا يبدو المشهد في أزقة أبيدجان بقتامة الشاشات؛ ففي سوق أدجامي المكتظ، يرى ياسين، تاجر خضار إيفواري في الرابعة والثلاثين، أن الصراع الذي تأجج ليس وليد الشارع. يقول لـ"أصوات إفريقية": "نحن نشتري بضائعنا من محال التجارة اللبنانية منذ أن كنت طفلًا، وتشاركنا معهم المائدة والأعياد. المشكلة ليست في أصحاب المحال ولا في جيراننا، بل في الناشطين والسياسيين الذين يبحثون عن شمّاعات مع اقتراب الانتخابات".

«المشكلة ليست في أصحاب المحال ولا في جيراننا، بل في الناشطين والسياسيين الذين يبحثون عن شمّاعات»

ياسين، تاجر خضار في سوق أدجامي

وُلد حسين الخياط، ومثله سامي وكثيرون من جيلهما، في أبيدجان، وتحدثوا "النوشي" قبل العربية، وتقاسموا مع أقرانهم الإيفواريين أزقة السوق والشغف بكرة القدم. هذا التعايش المستقر منذ قرن هو ما سعت الحملات الرقمية إلى خلخلة توازنه. ولا ينفي ذلك وجود مظالم يستثمرها المحرّضون، أبرزها الغضب من نظام الكفالة في لبنان وما يتعرض له عمال المنازل الأفارقة هناك، وشعور بعض الإيفواريين بالتمييز في التعامل اليومي، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس ومنصة فاكت تشيك كونغو.

حملات الكراهية: كيف اتسعت موجة «ليبول»؟

لم يبقَ مقطع الخياط وحده. فبعد خمسة أيام، في 11 نوفمبر 2025، نشر حساب "أوسبي الطفل المبارك" (Ousby l'enfant béni) مقطعًا على تيك توك يتهم فيه الجالية اللبنانية بالسعي للسيطرة السياسية على البلاد، ويزعم أن لبنانيين يسيئون معاملة موريتانيين وماليين من ذوي البشرة السوداء، ويدعو الإيفواريين إلى "ثورة" لمنع ذلك.

ومن هذا المنشور تحديدًا انطلقت موجة أوسع استخدمت مصطلحًا ازدرائيًا هو "ليبول" (Libouls) لوصف اللبنانيين. وتتوزع أرقام هذه الموجة على ثلاث جهات رصد، لكل منها منصاتها وفترتها ومنهجيتها.

نبدأ بالمقطعين المؤسِّسين: إلى جانب أرقام مقطع الخياط التي سبق ذكرها، رصدت لمقطع "أوسبي" شبكة العمل من أجل العدالة والسلام (RAJP-CI)، في تقرير أعدّته ضمن برنامج احتضان تابع للمرصد الإفريقي للديمقراطية الرقمية (ADDO)، أكثر من 350,500 مشاهدة و30,200 إعجاب و5,200 مشاركة على تيك توك، فيما أعادت صفحتان على فيسبوك نشره فجمعتا أكثر من 33 ألف مشاهدة وأربعة آلاف تفاعل.

ثم اتسعت الدائرة؛ فبالاستناد إلى بيانات مكتبة "ميتا" لمحتوى المنصات، رصدت الشبكة نفسها نحو 400 منشور على فيسبوك تستخدم مصطلح "ليبول" في نوفمبر وديسمبر 2025 وحدهما، بينما بلغ وصول المنشورات المشابهة على منصة إكس أكثر من 819 ألف شخص في الفترة نفسها، بحسب بيانات شركة "ميلتووتر" لرصد وسائل التواصل التي اعتمدتها الشبكة.

وفي تقرير نشرته منصة disinfo.africa، رصد فريق iLAB التابع لمنظمة "كود فور أفريكا"، - بين 9 نوفمبر 2025 و18 يناير 2026 وبمنهجية مختلفة تقتصر على المنشورات التي تتناول الوجود اللبناني بمصطلحات ازدرائية-، 256 منشورًا منفردًا على فيسبوك، جمعت 7,032,094 مشاهدة و293,352 تفاعلًا، أي نحو 99 ألف مشاهدة يوميًا على مدى 71 يومًا. وفي عيّنة أخرى من 297 منشورًا تكرر شعارَي "لا للبنانيين" و"لا لليبول" (حتى 17 يناير 2026)، رصد الفريق 1,853,033 مشاهدة و128,751 تفاعلًا.

الشاشة · مصطلح «ليبول»

256 منشورًا ازدرائيًا على فيسبوك، في 71 يومًا

0
مشاهدة
≈ 99,000مشاهدة يوميًا في المتوسط≈ 27,500مشاهدة لكل منشور293,352تفاعلًا
9.11.202518.1.2026

من رصد ماذا؟

ثلاث جهات رصد من منظومة واحدة تقريبًا («كود فور أفريكا» وشركاؤها)، لكلٍّ منها منصّة ونافذة ومنهجية مختلفة؛ لذلك تُقرأ أرقامها جنبًا إلى جنب ولا تُجمع. الخط المتقطع: نافذة تقريبية لم يحدّدها المصدر.

المصادر: «فاكت تشيك كونغو» (4.12.2025)؛ شبكة العمل من أجل العدالة والسلام RAJP-CI (19.2.2026)؛ فريق iLAB في «كود فور أفريكا» على disinfo.africa (23.3.2026)أصوات إفريقية

ولم تقتصر الحملة على المنشورات المكتوبة. فبين 14 و29 نوفمبر، نشر "سيسيي مينكابو" (Sessié Minkapeu)، الذي يقدّم نفسه داعيةً إنجيليًا، مقاطع على فيسبوك وتيك توك، يتهم فيها الجالية اللبنانية بالانتماء إلى حزب الله وتمويل الإرهاب، دون أي دليل موثق. ثم في 30 نوفمبر 2025، أصدر الفنان والناشط "تيسكو السلطان" على قناته في يوتيوب أغنية بعنوان "لا لليبول"، لم تتجاوز بذاتها 36 ألف مشاهدة و3,635 تفاعلًا على القناة الرسمية، لكنها تحولت إلى خلفية موسيقية لأكثر من 2,700 مقطع تحدٍّ على تيك توك، وحمل وسم "لا للبنانيين" وحده أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة. ونشر تيسكو نفسه 37 منشورًا معاديًا للبنانيين على فيسبوك بين 13 نوفمبر 2025 و20 يناير 2026، جمعت أكثر من 11.4 مليون مشاهدة، بحسب "كود فور أفريكا". جاءت هذه الهجمة في ظل تقارير غير موثقة عن تحويلات مالية لحزب الله من مهاجرين لبنانيين من الطائفة الشيعية، ولكن هذا لم يتم توثيقه بشكل جدي.

تكشف هذه الأرقام عن ثلاثة أبعاد مختلفة؛ أولها التفاعل العاطفي، المنعكس في التفاوت اللافت بين معدلات الإعجاب بالمقطعين؛ إذ بلغت نسبة الإعجابات إلى المشاهدات في مقطع «أوسبي» نحو 8.6%، مقابل 2.7% في مقطع الخياط، أي نحو 3.2 مرة زيادة. ويشير هذا الفارق إلى أن المقطع التحريضي استقطب تفاعلًا أكبر من المقطع ذي الطابع القانوني الهادئ، مع التنبيه إلى أن رقمي المقطعين صادران عن جهتي رصد مختلفتين.

أما البعد الثاني فيتجلّى في متوسط المشاهدات لكل منشور في العيّنة الأولى التي تتناول الوجود اللبناني بلغة ازدرائية، الذي بلغ نحو 27,500 مشاهدة، مقابل 6,200 في عيّنة الشعارات المختصرة، أي نحو 4.4 مرة. ويبدو أن السرد الازدرائي، بما يحمله من قصص واتهامات، تجاوز الشعار المختصر في قدرته على جذب المشاهدات، مع أن مصطلح "ليبول" حاضر في العيّنتين.

أما البعد الثالث، الموسيقي، فيظهر في امتداد انتشار الأغنية إلى محتوى يصنعه المستخدمون؛ فأغنية لم تتجاوز مشاهداتها 36 ألفًا على قناتها الرسمية ارتبطت بأكثر من 2,700 مقطع تحدٍّ، وتجاوزت مشاهدات الوسم المرتبط بها ثلاثة ملايين، أي أكثر من 80 ضعفًا لمشاهدات الأغنية نفسها. ولا تقتصر مقاطع الوسم بالضرورة على استخدام الأغنية، بل قد تتجاوزها إلى محتوى آخر.

القراءة · ثلاثة أبعاد

ما الذي تقوله الأرقام عن طريقة انتشار الحملة؟

01 — العاطفة
التحريض يحصد إعجابات أكثر من الشرح القانوني
×3.2
8.6%إعجابات/مشاهدات · «أوسبي»
2.7%إعجابات/مشاهدات · الخياط
كل دائرة 1% من المشاهدات. الرقمان من جهتي رصد مختلفتين.
02 — المصطلح
السرد الازدرائي يجذب أكثر من الشعار المختصر
×4.4
27,500مشاهدة لكل منشور · سرد ازدرائي
6,200مشاهدة لكل منشور · شعارات مختصرة
متوسطات عيّنتي «كود فور أفريكا» (256 و297 منشورًا). مصطلح «ليبول» حاضر في العيّنتين.
03 — الموسيقى
أغنية صغيرة، ووسمٌ أكبر منها بأكثر من 80 مرة
×83
أكثر من3,000,000مشاهدة لوسم «لا للبنانيين»
الأغنية على قناتها: 36,000 مشاهدة
المساحة تمثّل عدد المشاهدات. مقاطع الوسم لا تستخدم الأغنية بالضرورة كلها.
المصادر: حسابات «أصوات إفريقية» من أرقام «فاكت تشيك كونغو» وRAJP-CI و«كود فور أفريكا»أصوات إفريقية

يقول سامي عن هذه الحصيلة: "حين ترى آلاف الحسابات تتناقل الجمل ذاتها في الدقيقة نفسها، تفهم أنك لست أمام غضب شعبي عفوي وحده". ولانطباعه هذا ما يسنده جزئيًا؛ فقد رصدت "كود فور أفريكا" شبكة من 15 حسابًا تنشر نصوصًا متطابقة معادي للبنانيين هناك، وقناة على تليغرام غيّرت اسمها في 15 نوفمبر 2025 إلى "لا للاستبدال الكبير" وأطلقت حملة لجمع التبرعات لها. غير أن هذه المعطيات لا تكفي لتحديد من يقف وراء الحملة أو حجم التنسيق فيها.

وعلى امتداد الخط الزمني، بدأت القصة بتحذير عام لم يسمِّ أحدًا، ثم تلاحقت محطات الحملة خلال أربعة أسابيع من نوفمبر، قبل أن تُجرى الانتخابات التشريعية في 27 ديسمبر 2025.

الخط الزمني

تحذيرٌ عام، ثم سبعة أشهر، ثم أربعة أسابيع من الاشتعال

28.3.2025المجلس الوطني لحقوق الإنسان يحذّر من خطاب الكراهية، دون تسمية أي جالية
≈ 7 أشهر
6.11.2025مقطع الخياط
محطات الحملة الرقميةمحطات انتخابيةنافذة رصد «كود فور أفريكا» (256 منشورًا)
المصدر: بيان المجلس الوطني لحقوق الإنسان؛ فاكت تشيك كونغو؛ RAJP-CI؛ كود فور أفريكا؛ المجلس الدستوري الإيفواريأصوات إفريقية

04رقم الـ70%: ادعاءٌ بلا مصدر يحوّله التكرار إلى «حقيقة»

تكرر في المنشورات المضلّلة رقم واحد أكثر من غيره، وهو أن اللبنانيين "يسيطرون على 70% من اقتصاد البلاد". لم نعثر على مصدر رسمي يسند هذا الرقم. وحين واجهت وكالة "فرانس برس" الرقم في مارس 2026، قال سيرج عقل، المدير العام لغرفة التجارة والصناعة اللبنانية في ساحل العاج، إنه لا توجد إحصاءات موثوقة تسنده، وإن عدد الشركات الأعضاء في الغرفة يتراوح بين 150 و200 شركة، شبه جميعها خاضعة للقانون الإيفواري، وحضورها ضعيف في القطاعات التي تحرك الاقتصاد: التعدين والنفط والكاكاو والصناعات الغذائية، خلافًا لمجموعات كبرى يملكها إيفواريون. ويُتداول أيضًا رقم آخر، 40%، يُنسب إلى مجلة "ذي إيكونوميست" عام 2016 ونشرة "لو كوميرس دو ليفان"، ولا يستند بدوره إلى إحصاء رسمي منشور.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن عدد الشركات المسجلة لدى الغرفة لا يعادل بالضرورة كل ما يملكه لبنانيون في البلاد، فالتسجيل في الغرفة طوعي، لذلك يحتاج الحسم النهائي إلى بيانات مستقلة من السجل التجاري والإحصاءات الرسمية، لم تتوافر لـ"أصوات إفريقية" حتى إعداد التقرير.

الرقم الأكثر تكرارًا

بين ما تقوله الشاشة، وما تقوله السجلات المتاحة

الشاشة تقول 70%
«اللبنانيون يسيطرون على 70% من اقتصاد البلاد»
○ «لا توجد إحصاءات موثوقة» تسنده
السجلات المتاحة تقول 150–200
شركة عضو في غرفة التجارة والصناعة اللبنانيةشبه جميعها خاضعة للقانون الإيفواري، بحسب مدير الغرفة العام سيرج عقل لوكالة فرانس برس
التعدينالنفطالكاكاوالصناعات الغذائية الكبرى
قطاعات قال إن حضور هذه الشركات فيها «ضعيف»، خلافًا لمجموعات كبرى يملكها إيفواريون
العضوية في الغرفة طوعية، فهذا الرقم لا يمثّل كل ما يملكه لبنانيون في البلاد. ويُتداول رقم آخر (40%) بلا إحصاء رسمي منشور أيضًا. الحسم يحتاج إلى بيانات السجل التجاري.
المصدر: وكالة فرانس برس (26 مارس 2026)؛ غرفة التجارة والصناعة اللبنانية في ساحل العاجأصوات إفريقية

05الحقوقيون: تحذير سبق الحملة بسبعة أشهر

لم يأتِ هذا الانفجار الرقمي بلا سابق إنذار من الهيئات الحقوقية الرسمية في البلاد، وإن كان الإنذار عامًا لا موجّهًا للجالية اللبنانية تحديدًا. ففي 28 مارس 2025، قبل نحو سبعة أشهر من فيديو الخياط، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH-CI)، برئاسة ناميزاتا سانغاري، بيانًا من أبيدجان لاحظ فيه أن المشهد السياسي والاجتماعي شهد منذ أسابيع "تبادل عبارات مهينة وكارهة وغير لائقة، انتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل".

وعبّر المجلس عن قلقه من "تصاعد هذا العنف اللفظي، وأحيانًا الجسدي، الذي من شأنه أن يضعف التماسك الوطني والسلم الاجتماعي، ويهدد جهود المصالحة"، وأدان "عودة ظهور خطاب الكراهية والتشهير" عبر منصات أنشأها مناضلون في أحزاب وتجمعات سياسية. وذكّر مرتكبي هذه الأفعال بأنهم معرّضون للملاحقة القضائية بموجب المواد 226 و227 و228 و231 من قانون العقوبات، كما عدّله القانون رقم 2021-893 الصادر في 21 ديسمبر 2021، وتجرّم المواد الثلاث الأولى منها التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب والقبلية، وترفع العقوبة إلى السجن خمس سنوات إذا ارتُكبت عبر وسائل الإعلام.

لكن حين تحول الخطاب فعليًا إلى استهداف الجالية اللبنانية بالاسم، لم نعثر على بيان متابعة بالصيغة نفسها. فمنذ فيديو الخياط وحتى إعداد التقرير، لا أثر لبيان صادر عن المجلس يخص هذه الموجة تحديدًا، رغم حجم ما وثّقته شبكة RAJP-CI ومنظمة "كود فور أفريكا". وبالتالي، بقي التحذير الحقوقي الرسمي سابقًا للحملة لا مواكبًا لها، ولم يصدر موقف حكومي علني مباشر إلا في مارس 2026، حين وصف المتحدث باسم الحكومة أمادو كوليبالي إحدى الشائعات المعادية للبنانيين بأنها "هراء محض"، بعدما عادت الحملة إلى التصاعد مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن الشائعات جديدة على يوميات الجالية؛ ففي 2024، نفت السفارة اللبنانية في أبيدجان رسائل "تحذير عاجل" مزيفة دعت اللبنانيين إلى ملازمة بيوتهم، ووصفتها بأنها "عارية تمامًا عن الصحة"، وتزامنت هذه الحملة مع تجهيزات لانتخابات تشريعية محلية مرت بهدوء.

هذه الفجوة بين مخاوف الجالية وهدوء الاقتراع ليست تناقضًا، بل صورة لما فعلته الحملة المعادية للبنانيين؛ فالخطر لم يكن دائمًا في صناديق الاقتراع، بل في المسافة النفسية التي زرعتها الشاشة داخل جالية بأكملها، حتى حين ظل الشارع، كما يصفه ياسين، أهدأ من الأصوات التي تتحدث باسمه.

يختتم سامي حديثه تاركًا كلماته معلقة في أفق المحادثة: "والدي عاش هنا ستين عامًا ولم يحمل غير حب هذه الأرض، وأنا وُلدت هنا ولن أعرف مكانًا آخر. لكن عندما تتحول هواتف زملائك في العمل إلى منصات تشكك في انتمائك، تصبح أبيدجان التي تحبها غريبة عنك.. وكأنك تعيش في بيتك لكن بصفة مستأجر ينتظر الإخلاء في أي لحظة".

"ﯾُﻧﻔذ ھذا اﻟﻣﺷروع ﺑدﻋم ﻣن اﻟﺻﻧدوق اﻟﻌرﺑﻲ ﻟﻠﺛﻘﺎﻓﺔ واﻟﻔﻧون – آﻓﺎق، ﺑﺎﻟﺷراﻛﺔ ﻣﻊ أوﻛﺳﻔﺎم، وإﯾﻛو إﻟﻛﺗرﯾك، وﻣﯾﻐﺎﻓون، وﺑﺗﻣوﯾل ﻣﺷﺗرك ﻣن اﻻﺗﺣﺎد اﻷوروﺑﻲ".