في 15 سبتمبر 1923 — لا العاشر منه، كما لا يزال يتكرر كل عام — مات سيد درويش في الإسكندرية عن 31 عا ًما، بعد ست سنوات فقط من العمل المسرحي في القاهرة. لكن ما تركه لم يكن عددًا من الألحان، بل تغيي ًرا في موقع الناس داخل الموسيقى: من جمهور يستمع، إلى مادة تُصنع منها الأغنية. وبعد 103 أعوام بالضبط، لا يزال هذا هو سؤاله الحي.
قبل سيد درويش، لم تكن الموسيقى المصرية فقيرة حتى تحتاج إلى من ينقذها. كانت هناك تقاليد موسيقية راسخة، ومقامات وقوالب لها تاريخ طويل، وأسماء صنعت لنفسها مكانًا في الحياة الفنية المصرية. وكان المسرح الغنائي قد بدأ يتحول إلى مساحة مهمة للموسيقى، بعدما نقل الشيخ سلامة حجازي الأغنية من مجالس التخت إلى خشبة المسرح وجعلها جزءًا من بناء العمل المسرحي. وإلى جانبه، في المشهد نفسه، اشتغل موسيقيون مثل كامل الخلعي وداود حسني؛ جيل كان يمهّد بالفعل لتحول كبير.
إذن، لم يأت سيد درويش إلى فراغ، جاء إلى موسيقى لها جذور، وإلى مسرح بدأ يعرف جمهوره، وإلى بلد كانت تتحرك اجتماعيًا وسياسيًا بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية.
ففي مطلع القرن العشرين، لم تكن القاهرة والإسكندرية مجرد مدينتين تستمعان إلى الموسيقى. كانتا تعيشان تغييرا في شكل المجتمع نفسه: عمال وحرفيون وموظفون وطلاب وأصحاب مهن جديدة، وحركة سياسية تتصاعد، ومسرح يجذب جمهورا أوسع.
كان الشارع يمتلئ بأصوات جديدة. والسؤال الذي سيصبح، مع سيد درويش، سؤا ًلا فنيًا بقدر ما هو اجتماعي، كان بسيطًا: هل تستطيع الموسيقى أن تنقل كل هذه الأصوات؟ سيد درويش لم يجب عن السؤال بالكلام، أجاب عنه بالألحان.
من أين جاءت موسيقاه؟
من السهل، بعد أكثر من مئة عام، أن ننظر إلى سيد درويش باعتباره الرجل الذي ظهر فجأة وغيّر كل شيء. لكن الوقائع تقول شيئًا أكثر تعقيدًا.
الفتى الذي ولد في كوم الدكة بالإسكندرية في مارس 1892 لم يكن منفصًلا عن البيئة الموسيقية التي نشأ فيها؛ سمع الموشحات والأدوار والإنشاد الديني، ودرس في المعهد الديني بالإسكندرية، وأنشد في أحد مساجد المدينة، وعاش وسط أصواتها الشعبية. وتذكر الروايات أنه عمل فترةً عامل بناء قبل أن يصبح موسيقارا معروفًا.
ثم قادته المصادفة إلى فرقة الأخوين أمين وسليم عطا الله، وسافر معها إلى بلاد الشام مرتين: رحلة أولى قصيرة في أواخر 1908، ورحلة ثانية أطول ابتداءً من 1912 استمرت نحو عامين. في الرحلة الثانية تحديدًا اتسعت خبرته: تعلم العود، واطّلع على التدوين الموسيقي، ودرس في حلب. وتذكر الروايات العربية أنه تتلمذ هناك على يد المنشد العراقي عثمان الموصلي، وإن ظل حجم هذا الأثر موضع خلاف — إذ تذهب كتابات عراقية إلى أن بعض الألحان المنسوبة إليه تعود إلى الموصلي، وهو ما تنفيه المصادر المصرية.
هذه التفاصيل مهمة، ليس لأنها جزء من سيرته فقط، وإنما لأنها تشرح شيئًا من طريقته، درويش لم يتعامل مع التراث باعتباره شيئًا ينبغي التخلص منه حتى تصبح الموسيقى حديثة. أخذ منه وتعلم منه، ثم أعاد استخدامه في سياق مختلف. وهنا ربما تكمن واحدة من أهم أفكاره الموسيقية: أن التجديد لا يعني أن تبدأ من الصفر.
دخول سيد درويش المسرح
في عام 1917 انتقل سيد درويش إلى القاهرة، وكانت تلك لحظة فاصلة. كان الشيخ سلامة حجازي قد فتح الطريق قبله، لكن سيد درويش وجد في المسرح شيئًا آخر: مساحة يمكن أن يختبر فيها ليس فقط اللحن، وإنما وظيفة اللحن.
خلال ست سنوات فقط تعاون مع فرق جورج أبيض ونجيب الريحاني وعلي الكسار ومنيرة المهدية والأخوين عكاشة، ثم أسس فرقته الخاصة عام 1921 وافتتحها بمسرحية “شهرزاد” في 7 يونيو من العام نفسه. وفي 1918 لًحن “فيروز شاه” لفرقة جورج أبيض و”ولو” لفرقة الريحاني، ثم توالت الأعمال في السنوات التالية؛ ما يقارب 25 إلى 30 عملا مسرحيًا، تختلف المصادر في عددها الدقيق.
وهنا تغيرت المسألة: عندما يكون اللحن جزءًا من مسرحية، لا يكفي أن يكون جميلا، عليه أن يعرف من الذي يغنيه، ولماذا يغنيه، وماذا يحدث في اللحظة التي يغنيه فيها.
وهذا ما جعل المسرح بالنسبة إلى سيد درويش أكثر من مكان لعرض الألحان، كان مختبره؛ فيه يستطيع أن يجعل مجموعة من العمال تغني معًا، أو يجعل شخصية مسرحية تعبّر عن حالها بالأغنية، أو يحول مشهدًا اجتماعيًا إلى قطعة موسيقية، أو يجعل اللحن جزءًا من الحدث نفسه.
ويصف مركز “جروف الموسيقي” (Grove Music Online) – التابع لجامعة أكسفورد-، موسيقى المسرح الغنائي المصري في تلك المرحلة بأنها اتجهت إلى البساطة ووضوح النص، وأنها استعانت أحيانًا بالتوليف الصوتي. أما ما يخص درويش تحديدًا في المصادر المتخصصة فهو أنه وًسع حضور الغناء الجماعي، وكتب موسيقى مختلفة لكل شخصية ولكل مجموعة، وجرب تراكب أكثر من خط غنائي في المشهد الواحد.
وهنا بدأ شيء مهم يحدث: الموسيقى لم تعد تتحدث عن الناس من بعيد، بدأت تتحدث بأصواتهم.
العامل الذي دخل الأغنية
خذ “الصنايعية” مثالا؛ الأغنية التي يعرفها الناس اليوم بمطلعها “الحلوة دي قامت تعجن”. في ظاهرها، أغنية بسيطة، قريبة من الكلام اليومي، مرتبطة بمشهد من الحياة والعمل. وقد وردت في مسرحية “ولو” عام 1918، من كلمات بديع خيري، ضمن مجموعة ألحان ألفها درويش لأصحاب المهن؛ ومنها في المسرحية نفسها “السقايين”.
ويروي نجيب الريحاني في مذكراته كيف وُلد لحن السقايين: ظل درويش ثلاثة أيام عاجزا عن اللحن، حتى سمع سّقاءً حقيقيًا في الشارع ينادي “يعوّض الله”.
هذه الحكاية تلخص كل شيء، فسيد درويش نظر إلى إيقاع العمل نفسه باعتباره مادة موسيقية بذاتها، وبالتالي، العامل الذي كان موجودًا في الشارع أصبح على المسرح، ومهن الناس، وتعبهم، وطريقة كلامهم، وحركتهم الجماعية، أصبحت قابلة لأن تتحول إلى لحن. وهذا فرق هائل: هناك ملحن يغني للناس، وهناك ملحن يجعل حياة الناس نفسها تغني. سيد درويش كان أقرب إلى النوع الثاني.
ولذلك فإن لقب “فنان الشعب”، رغم شهرته، لا يشرح وحده ما فعله، الأهم أنه غيّر مصدر المادة الموسيقية: بدأ الشارع نفسه يصبح جزءًا مما يصنع منه موسيقاه.
لم يعد الجمهور مجرد جمهور
لو توقفنا هنا قليلا، سنجد أن المسألة أوسع من “الأغنية الشعبية”، فسيد درويش لم يكن يريد فقط أن يجعل ألحانه سهلة حتى يفهمها الناس. كان يريد أن يجعل الناس جزءًا من عالم هذه الألحان، وهذا يفسر اهتمامه بالغناء الجماعي.
في أعماله المسرحية ظهرت مجموعات تغني معًا، وأصبح الصوت الجماعي جزءًا من المشهد. ولم يبدأ هذا في القاهرة: فمن تجاربه المبكرة مع فرقة عطا الله “السلامات”، وهي مقاطع جماعية كانت تُؤدى قبل رفع الستار وفي ختام العرض لتحية الجمهور.
وهنا واحدة من أكثر أفكار سيد درويش إثارة للاهتمام. ظلت الأغنية العربية، في جانب كبير من تقاليدها، مرتبطة بصوت المغني الفرد؛ وهو تقليد ظل قائما بعده أيضا، ويكفي أن نتذكر كيف صار صوت أم كلثوم مسموعًا في أنحاء واسعة من مصر والعالم العربي وإفريقيا.
أما هو فبدأ يوسع المشهد: صوت واحد يمكن أن يحكي عن شخص، لكن أصواتًا كثيرة تستطيع أن تحكي عن مجتمع. وهكذا لم يعد الجمهور مجرد مجموعة من الناس تجلس في الظلام وتستمع، أصبح مفهوم “المجموعة” نفسه جزءًا من الموسيقى يغني معها.
ثم جاءت ثورة 1919
في عام 1919 خرجت مصر إلى الشارع، وهنا لم يعد المجتمع الذي كان سيد درويش يراقبه من خلال المسرح مجرد مادة فنية، صار حدثًا تاريخيًا.
ارتبط اسمه بأغنيات صارت جزءًا من الذاكرة المصرية، وعلى رأسها “قوم يا مصري” من مسرحية “قولوله” 1919، كلمات بديع خيري. وتذكر الصحافة المصرية أن عرض المسرحية كان مقررا في مارس 1919 فتأجل إلى مايو بسبب الثورة، وأن الإشارات إلى سعد زغلول جاءت ُمشفرة في الكلمات لأن ذكره صراحة كان ممنوعًا تحت الأحكام العرفية.
كما ارتبط اسمه بأغنية “بلادي بلادي”؛ اللحن لسيد درويش، والكلمات لمحمد يونس القاضي، مبنية على خطبة لمصطفى كامل، ولم تصبح نشيدًا وطنيًا رسميًا لمصر إلا عام 1979، أي بعد وفاته بـ56 عاما.
لكن مرة أخرى، ليست القضية أن سيد درويش لًحن أغاني وطنية، الوطنية كانت موجودة قبله، الأهم أن صوت الشارع نفسه وجد طريقه إلى الموسيقى.
ومن أكثر الأمثلة دلالة أغنية “العمال”، المعروفة بمطلعها “ما قلتلكش إن الكترة”، التي ظهرت ضمن مسرحية “رن” عام 1919، وكتب كلماتها بديع خيري ولحنها سيد درويش. الأغنية تتحدث بلسان العمال عن ضيق العيش وثقل الشغل؛ وتقرؤها المصادر العربية بوصفها أغنية عن قوة الجماعة في مواجهة القهر، فيما يقرؤها الباحث زياد فهمي في سياق التقشف والتقنين الذي فرضته سلطات الاحتلال البريطاني في سنوات الحرب.
الاختلاف في القراءة نفسه دال، فالأغنية هنا تصبح وثيقة اجتماعية أيضا، ليس بمعنى أنها تسجل التاريخ حرفيًا، وإنما لأنها تحفظ كيف كان الناس يشعرون بالتاريخ. وهذا ربما هو الفارق بين الأغنية التي تتحدث عن حدث، والأغنية التي تصبح جزءًا من ذاكرة الحدث.
حداثته لم تكن في تقليد الغرب
عندما نتحدث عن تجديده، نميل أحيانًا إلى اختزاله في إدخال أساليب موسيقية جديدة أو التأثر بالموسيقى الغربية، صحيح أن تجربته استفادت من معارف وتقنيات جديدة و ّسعت إمكانات المسرح الغنائي. لكن من الإنصاف القول إن التوليف والتوزيع الجماعي لم يكونا اختراعه وحده؛ فقد كانا جزءًا من حركة المسرح الغنائي المصري في العقود التي سبقته وعاصرته. ما فعله هو أنه جعلهما ضرورة درامية، لا زينة.
فالحداثة عند سيد درويش كانت، في رأيي، أعمق من التقنية. كان السؤال: كيف تصنع موسيقى حديثة لمجتمع يتغير؟ وهنا تصبح كل الأدوات في خدمة السؤال. المقام القديم يمكن أن يبقى، والإيقاع العربي يمكن أن يبقى، والتخت يمكن أن يبقى. لكن طريقة استخدام كل ذلك تتغير.
الموسيقى لم تعد مطالبة فقط بأن تستعرض جمالياتها؛ أصبحت مطالبة بأن تعبّر عن إنسان يعيش في زمن جديد. وهذه هي الحداثة التي تركها سيد درويش وراءه.
الرجل الذي لم يعش طويلا بما يكفي
رحل سيد درويش في الإسكندرية بعد سنوات قليلة فقط من الفترة التي أصبح فيها اسمه في قلب الحياة الموسيقية والمسرحية المصرية.
وحتى تاريخ وفاته يحتاج إلى تصحيح: يتداول كثيرون يوم 10 سبتمبر 1923، لكن شاهد قبره يحمل تاريخ 4 صفر 1342 هجريًا، أي 15 سبتمبر 1923 — وهو ما نشرته “اليوم السابع” نقلا عن شاهد القبر وعن شهادة أسرته. مات في الأيام نفسها التي كانت مصر كلها تنتظر فيها عودة سعد زغلول من منفاه، فمر تشييعه في صمت تقريبًا.
أما كيف مات، فلا تزال الروايات متضاربة، ولم يُحسم الأمر حتى اليوم. وهنا يمكن بسهولة أن نقع في الحكاية التقليدية “عبقرية ماتت في شبابها”. لكن هذه النهاية تستحق قراءة أخرى. لأن سيد درويش لم يترك مدرسة مكتملة، ترك طريقا.
كان مشروعه أكبر من العمر الذي أُتيح له؛ حتى إن العمل الذي تركه ناقصا، “كليوباترا ومارك أنطوان”، أتمه محمد عبد الوهاب وعُرض بعد وفاته بأربع سنوات.
بعده جاءت أجيال ستغير شكل الموسيقى المصرية مرة أخرى، وتدخل إليها التسجيلات والإذاعة والسينما وأشكال جديدة من التوزيع والتلحين والأداء.
لكن شيئًا أساسيًا كان قد حدث قبل كل ذلك، أصبح ممكنًا أن تكون الأغنية حديثة من دون أن تنفصل عن بيئتها، أن تستفيد من التراث من دون أن تعيش أسيرة له، أن تتحدث عن السياسة من دون أن تتحول إلى منشور، أن تتحدث عن العامل والحرفي والمرأة والشارع، من دون أن تفقد قيمتها الفنية، وأن يكون المستمع نفسه جزءًا من الحكاية.
ما الذي تغير الآن؟
ولا يزال الخيط ممتدًا. حين تسمع اليوم مهرجانات المطرية تخرج من حي شعبي إلى مصر كلها، فأنت أمام السؤال نفسه الذي فتحه درويش قبل قرن.
لهذا لا يبدو السؤال الأهم: كم أغنية ترك سيد درويش؟ ولا حتى:ما أشهر ألحانه؟ بل: ماذا حدث للموسيقى المصرية عندما بدأ الناس يجدون أنفسهم فيها؟ وربما كانت هذه هي الثورة الحقيقية التي تركها الرجل.
فهو لم يخترع الشعب، ولم يخترع الموسيقى، لكنه جعل الاثنين يلتقيان في الأغنية. ومن تلك اللحظة، لم يعد الشعب يسمع فقط…بدأ الشعب يغنّي.



