ذات صلة

جمع

مزاد على الظل.. مصر بين خطابات «التشجير» ومناشير المحليات

في رحلته الدورية من مواقع البناء في القاهرة إلى...

سيد درويش.. حين لم يعد الشعب يسمع فقط وبدأ يغنّي

في 15 سبتمبر 1923 — لا العاشر منه، كما...

شيك نوبل على بياض.. كيف سحق آبي أحمد الصحافة الإثيوبية المستقلة

على بعد كيلومترات قليلة من مقر الاتحاد الإفريقي في...

يوتوبيا.. تخيل الحياة في بلدك دون بلاستيك

في أحد أسواق الخضروات والفاكهة الشعبية في إمبابة، لا...

مزاد على الظل.. مصر بين خطابات «التشجير» ومناشير المحليات

في رحلته الدورية من مواقع البناء في القاهرة إلى مسقط رأسه في الصعيد، اعتاد أحمد محمود (28 عاماً) أن يترك خلفه غابات العاصمة الأسمنتية بحثاً عن متنفس أخضر. كعامل في مجال الإعمار، يعرف جيداً كيف تبتلع الخرسانة المساحات في العاصمة، لكنه لم يتوقع أن يجد العقلية الإدارية ذاتها قد سبقته إلى قريته.

حين نزل من الحافلة في إحدى قرى محافظة قنا، ضربت لفحة الهواء الساخن وجهه كما لو كان يقف أمام باب فرن مفتوح. مد بصره تلقائياً نحو بقعة ظل رطبة التي اعتاد أن يحتمي بها لسنوات تحت صف الأشجار الكثيفة على طريق الأقصر الزراعي(السياحي)، فلم يجد سوى جذوع مبتورة، وإسفلت يغلي تحت شمس الظهيرة، بعد قرارات بإزالة هذه الأشجار.

من بين هذه القرارات إزالة ما لا يقل عن 100 شجرة معمّرة في مقاطعة إدارية واحدة، متحججة بقلق شركات السياحة من سقوط أشجار أو أفرعها على حافلات الأفواج السياحية، أثناء مرورها في الطريق الرئيسي.

يقول أحمد لـ “أصوات إفريقية”، وهو يتحسس جبهته المتعرقة: “في الوقت اللي بنشوف فيه المباني بتعلى كل يوم، والمدن الجديدة بتتوسع في التشجير والتخضير، بنلاقي الشجر اللي حامينا برة المدن دي بيتقطع بأعذار وحجج مالهاش آخر. بس لما يوصل القطع لآخر خط دفاع بيئي لينا هنا في الصعيد، يبقى بنخسر الظل اللي بيظلل علينا، وبندخل في خطر كبير بيمس بيئتنا وصحتنا وحياتنا كلها”.

تعكس كلمات أحمد مفارقة هيكلية تعيشها الدولة المصرية؛ ففي الوقت الذي تضج فيه القاعات الحكومية بخطابات “التشجير” ومبادرات “تخضير المدن”، تعمل مناشير الأجهزة المحلية على الأرض بلا هوادة، مستغلة ثغرات تشريعية تمنح اعتداءاتها الحصانة، بلا عزاء يحمي جلد المواطن من قيظ الصيف.

الأشجار “رئة” تحمي الحي وتاريخه

تحت شمس سبتمبر الحارقة، ومن جنوب مصر إلى شوارع العاصمة الكبرى، استحال البحث عن مساحة ظل إلى معركة يومية.

وفي حي المهندسين بالقاهرة، الذي يسكنه الطبقة الوسطى الراقية،  صدم السكان بتجريد شارع جامعة الدول العربية، ومحيط ميدان مصطفى محمود من الأشجار، في سياق مشروعات إعادة التخطيط المروري، ومسارات المترو. 

ليتحول الشارع العريق إلى مساحة إسفلتية صاهرة، في واقعة فجرت غضباً شعبياً، استدعى تدخلاً قضائياً؛ على إثرها أصدرت النيابة العامة أوامر بإجراء تحقيقات موسعة حول مدى مشروعية الإزالات.

“الأشجار رئة تحمي الحي وتاريخه”، هكذا يرى شكري أسمر، المقيم في حي مصر الجديدة (هليوبوليس)، متذكراً بأسى بعض من محطات الماضي.

يتذكر  شكري جيداً عام 2011، حيث أسس مع جيرانه “مبادرة تراث مصر الجديدة”. وبحلول 2017، اصطدمت المبادرة بمسار المحاور السريعة؛ فاقتُطع جزء من حديقة “غرناطة” التاريخية,

وفي 2019 تحول لموقف سيارات، قبل هدم المساحة المتبقية في 2022. 

وخلال خمسة أشهر فقط بين عامي 2018 و2019، أحصت المبادرة اختفاء نحو 396 ألف متر مربع من الغطاء النباتي.

وفي حي المعادي جنوباً، قامت الأجهزة المحلية بتقليم وإزالة أشجار تاريخية، خاصة في شوارع دمشق و154 ومناطق بزهراء المعادي، والسبب كما المعتاد، “الاستجابة لشكاوى الأهالي من خطورة سقوط الأشجار القديمة”. 

فقدت القاهرة نحو 910,894 متراً مربعاً من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، ليتراجع نصيب الفرد من 3 أمتار مربعة إلى 74 سنتيمتراً مربعاً فقط، وفق دراسات “حلول للسياسات البديلة” ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في مخالفة صريحة لإرشادات منظمة الصحة العالمية التي تشدد على 9 أمتار مربعة كحد أدنى لحماية الصحة النفسية والتنفسية، مقارنة بمستهدف “رؤية 2030” البالغ 3 أمتار مربعة.

علاوة على ذلك، كشفت دراسة صادرة عن منصة “سبرنغر نيتشر” (Springer Nature) أن نصيب الفرد من المساحات الخضراء قد انخفض في 22 حياً من أصل 37 بالقاهرة — والتي تضم ثلثي سكان العاصمة — إلى أقل من نصف متر مربع فقط. ويتعارض هذا الوضع بصورة صارخة مع اشتراطات “دليل التنسيق الحضاري” المصري الذي قدّر  7 أمتار مربعة كحد أدنى، وهو ما يتقاطع تماماً مع إحصاءات مشروع “حلول السياسات البديلة” بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بشأن فقدان نحو 311 ألف متر مربع في مدينة نصر و272 ألف متر مربع في مصر الجديدة.

وعلى ساحل المتوسط، لم تنجُ الإسكندرية من هذا المصير، إذ فقدت بين عامي 2013 و2023 نحو 36% من إجمالي مساحاتها الخضراء بما يعادل 2.92 مليون متر مربع، بدعاوى التطوير والتوسعة المرورية.

وشهدت المحافظة وقائع إزالة وتقليم واسعة طالت الأشجار المعمرة والنادرة في حدائق المنتزه التاريخية (لا سيما شجر الجزورين النادر بمنطقة عايدة) بالتزامن مع مشروعات إعادة تطوير وتأهيل الحدائق التراثية، كما شملت الإزالات شوارع حيوية كشارع أبو قير بمنطقتي سبورتنج وكليوباترا بحي شرق، ومحاور مشروع ترعة المحمودية؛ حيث كانت الذريعة الدائمة للأجهزة المحلية هي “التطوير الشامل، وإعادة التنسيق الحضاري، وتوسعة المحاور الساحلية”.

خطابات خضراء ومناشير نشطة

تُقابل هذه الإزالات المستمرة بخطاب رسمي متخم بالوعود الخضراء. 

في الوقت الذي كانت مناشير حي المهندسين تقطع الأشجار، كان رئيس مجلس الوزراء يترأس اجتماعاً موسعاً لمتابعة مشروع “تخضير القاهرة”، موجهاً بـ “وقف قطع الأشجار وتحويل متخللات الكباري لحدائق”. 

بدا هذا التوجه متناغماً مع النشاط الدبلوماسي، إذ استضافت مصر الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف لمكافحة التصحر (COP18) عام 2028، للتركيز على حماية الأراضي في إفريقيا. 

فجر تصريح منسوب لوزيرة التنمية المحلية والبيئة شهر سبتمبر 2029 بشأن تعاقدات الدولة لتصدير الفحم غضباً شعبياً أكثر حدة من سابقه، على إثره أصدر مجلس الوزراء بياناً ينفي بشدة تلك الأنباء، مؤكداً وجود توجيهات صارمة بالحفاظ على المساحات الخضراء ومنع أي إزالة دون موافقة المحافظ وجهاز شئون البيئة. 

لكن الواقع الميداني الذي اختبره أحمد في صعيد مصر، يكشف عن التفاف إداري مقنن على هذه التوجيهات. 

فقد ساءل الأهالي مجلس المدينة عن اختفاء أكثر من 100 شجرة، فجاءت الإجابة بأنها شكلت “خطورة على حافلات السياحة المتجهة للأقصر” وأسوان. وهو سيناريو تكرر في مدينة قنا باجتثاث أشجار تاريخية تحت شعار “تنسيق الجزيرة الوسطى”.

في دراسة منشورة لمنصة “جلوبال فورست ووتش” أرجعت فقدان فقدان نحو 4472 فداناً من غطائها الشجري، أي 95% إلى عامل بشري وليس كوارث طبيعية. 

هنا تنكشف المتاهة التشريعية. فرغم أن قانون العقوبات (رقم 58 لسنة 1937)، وقانون البيئة (4 لسنة 1994)، وقانون الري (147 لسنة 2021)، تُجرم قطع الأشجار دون ترخيص، إلا أن سيف هذه القوانين يسلط بصرامة على المواطن العادي، في حين تُعفى الأجهزة المحلية من المساءلة متدثرة بعباءة “المنفعة العامة” و”المزادات القانونية”.

دورة الخشب: من الشارع إلى مكامير التصدير

سؤال أحمد لـ “أصوات إفريقية”: “أين تذهب أشجارنا؟” تجيب عنه سحب الدخان في قريتي أنشاص والزوامل بمحافظة الشرقية. هناك تجد مزادات المحليات مشتريها الدائم: مقاولو الأخشاب الموردون لآلاف مكامير الفحم التقليدية.يعتمد محمد غانم (55 عاماً)، صاحب مكامير في الزوامل، على الأخشاب المأخوذة من حملات الإزالة لتغذية عملياته، وسط بيئة خانقة تسببت في 2019 بحالات اختناق لأطفال مدرسة مجاورة. 

ورغم محاولات وزارة البيئة تطوير الأفران للحد من التلوث، تظل التكلفة المرتفعة عائقاً، ليعود أصحاب المكامير إلى حفر الأرض وإشعال النيران بعد كل حملة إزالة. 

لا ينكر غانم، في حديثه لـ”أصوات إفريقية”، السعال المزمن الذي يلازمه، ولا التغير الذي أصاب لون بشرته ورئتيه، ومع ذلك، تبزغ ابتسامة غريبة وتلقائية، في حديثه عن المكامير باعتبارها “شريان حياة” لمئات الأسر في قريته التي تضم وحدها نحو 500 مكمورة. 

ويدفع السكان المجاورون ثمناً باهظاً؛ ففي عام 2019، أدى انفجار مكمورة ملاصقة لمدرسة النصر الخاصة بقرية الزوامل المجاورة إلى تسرب دخان كثيف أسفر عن حالات اختناق وإغماء لـ 7 أطفال ومعلمين اثنين، ونقلهم إلى المستشفى، وهي واحدة من عشرات الشكاوى المتعلقة بانتشار أمراض الحساسية المزمنة والالتهاب الرئوي.

وتعكس بيانات جهاز شئون البيئة المصري حجم هذه الظاهرة غير الرسمية؛ إذ تشير التقديرات الحكومية إلى وجود ما يزيد على 5 آلاف مكمورة فحم تقليدية في محافظات الدلتا تنتج مجتمعة نحو مليون طن من الفحم سنوياً. ورغم إصدار مجلس الوزراء ووزارة البيئة منذ عام 2016 اشتراطات وقرارات لتوفيق أوضاع المكامير والانتقال إلى “الأفران المعدنية المطورة” الصديقة للبيئة، بقيت خطط التطوير شبه متوقفة. فتكلفة الفرن المعدني الحديث تتراوح بين 800 ألف و1.2 مليون جنيه، وهو ما يتجاوز بأضعاف مجمل رأس مال أصحاب المكامير الصغار. ومع قيام الأجهزة التنفيذية بحملات إزالة دورية تهدم مئات المكامير في البحيرة والدقهلية والشرقية، يعود المصنعون ليلاً لحفر الأرض وإشعال النيران من جديد لمواجهة الطلب التجاري الذي لا يهدأ.

وراء تمسك أصحاب المكامير بمهنتهم واستمرار ورش تقطيع الشوارع في بيع الأخشاب، تقف تجارة دولية تدر ملايين الدولارات. فالأخشاب الصلبة الناتجة عن الأشجار المصرية العتيقة كالكافور والجزورين والموالح تنتج نوعية فحم شواء ونراجيل تحظى بطلب مرتفع في الأسواق الإقليمية والدولية.

فهذا النشاط المتنامي يغذيه نهم تصديري ضخم؛ حيث تُدر صادرات الفحم النباتي المصري (رقم جمركي 4402) نحو 16.36 مليون دولار خلال 2024، محتلة موقعاً متقدماً في أسواق الشرق الأوسط وأوروبا. وتظهر بيانات قاعدة بيانات حلول التجارة العالمية التابعة للبنك الدولي (WITS) ومنظومة التجارة الدولية للأمم المتحدة (UN Comtrade) أن صادرات مصر من الفحم النباتي (المندرج تحت البند الجمركي الدولي HS 4402) حققت نحو 16.36 مليون دولار خلال عام 2024. واحتلت السعودية صدارة الدول المستوردة بقيمة 3.37 مليون دولار، تلتها تركيا بـ 3.29 مليون دولار، ثم ليبيا بنحو 2.28 مليون دولار، فاليونان وإسرائيل بقرابة مليون دولار لكل منهما. ووفق هذه الأرقام، قفزت مجمل صادرات الخشب ومشتقاته من مصر لتسجل 42 مليون دولار عام 2023 بزيادة 75% عن العام السابق، ما وضع مصر في المركز الثامن عشر عالمياً بين كبار مصدري الفحم النباتي بنحو 3% من الإنتاج العالمي.

وتشير نشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى استمرار نمو هذه السوق خلال عام 2026؛ حيث ارتفعت كميات التصدير بنسبة 4.6% خلال النصف الأول من العام إلى أكثر من 35 دولة، مع قفزة سعرية في أسواق الخليج رفعت سعر طن الفحم المحلي بنسبة 82% ليسجل نحو 31 ألف جنيه للطن، مدفوعاً بتوترات الملاحة الإقليمية واضطراب سلاسل التوريد.

لكن هذه العائدات الدولارية التي تتقاسمها شركات التصدير وتجار الأخشاب تصطدم بـ “فاتورة عكسية مهولة” تتكبدها الموازنة العامة وصحة المواطنين. فبينما يحقق تصدير الفحم نحو 16 مليون دولار (أقل من مليار جنيه)، كشفت دراسات مشروع “إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى” الممولة من البنك الدولي أن التكلفة الاقتصادية السنوية للأعباء الصحية الناتجة عن تلوث الهواء في إقليم العاصمة وحده تلتهم قرابة 1.4% من إجمالي الناتج المحلي لمصر، أي ما يقارب 47 مليار جنيه سنوياً، بسبب أمراض التنفس وانخفاض الإنتاجية والضغط على المنظومة الطبية.

ويتطابق هذا التقييم مع نتائج التقرير الإقليمي لمنظمة “جرينبيس” المعني بكلفة تلوث الوقود والاحتراق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي قدّر الخسائر الاقتصادية السنوية في مصر جراء الانبعاثات بنحو 6.9 مليارات دولار سنوياً، متسببة في وفاة مبكرة لنحو 32 ألف مواطن سنوياً.

عدالة مناخية منقوصة

تتبخر الخطابات الدبلوماسية أمام قسوة التغير المناخي؛ فإزالة شجرة معمرة ذات جذور عميقة لا تستهلك مياهاً إضافية وتمنح مئات الأمتار من الظل، واستبدالها بشتلة صغيرة في مبادرة “100 مليون شجرة” تموت غالباً بعد أسابيع من زراعتها، يجسد “غسيلاً أخضر” يقوض العدالة المناخية.

تؤدي هذه الممارسات إلى خلق “جزر حرارية حضرية” تتسبب في إجهاد حراري يقلص إنتاجية العمالة ويرفع الحرارة بمعدل 1.2 درجة مئوية، وفقا لأحد الدراسات.

تجلت هذه الكارثة في يونيو 2024، حين سجلت أسوان قرابة 50 درجة مئوية، ما أسفر عن وفيات بين المواطنين، وتزامن مع مأساة وفاة عشرات اللاجئين السودانيين عطشاً في دروب الصحراء المكشوفة والخالية من أي مصدات للظل.

وتكتسب تلك الوظائف البيئية أهمية مضاعفة أمام التكلفة الاقتصادية والصحية لتلوث الهواء؛ حيث وثقت دراسات مشروع البنك الدولي لإدارة تلوث الهواء وتغير المناخ بالقاهرة الكبرى، والبالغ تمويله 200 مليون دولار عام 2020، أن الكلفة الاقتصادية السنوية للآثار الصحية لتلوث الهواء في العاصمة تقدر بنحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر (ما يوازي 47 مليار جنيه مصري). وقدر تقرير منظمة Greenpeace MENA حول كلفة تلوث الهواء بالوقود الأحفوري لعام 2020 التكلفة المالية الإجمالية في مصر بنحو 6.9 مليارات دولار سنوياً، مشيراً إلى تسجيل 32 ألف وفاة عام 2018. كما تجلت مخاطر الإجهاد الحراري وغياب الظل في يونيو 2024 بمدينة أسوان؛ حيث سجلت محطات الرصد درجات حرارة قاربت 50 درجة مئوية، وأسفرت موجة الحر الشديدة عن وفاة 40 مواطناً، ونحو 50 مهاجراً سودانياً على الحدود الجنوبية نتيجة ضربات الشمس والجفاف في مناطق مكشوفة، وفق التوثيق الميداني المنشور عبر منصة المنصة الصحفية حول وفيات موجة الحر بأسوان. ورغم حصول مصر على 500 مليون دولار من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال قمة (COP27) بشرم الشيخ عام 2022 لدعم الطاقة النظيفة، تراجع مركز مصر في تقييم مؤشر أداء تغير المناخ الدولي (CCPI) إلى المرتبة 22 عالمياً في تقرير 2024 مقارنة بالمرتبة 20 في عام 2023.

وبين النفي الحكومي القاطع لوجود صلة بين قرارات القطع وعمليات التصدير، وتساؤلات المجتمع المدني حول حماية الغطاء النباتي، تظل تحقيقات النيابة العامة الجارية، ومدى تفعيل الضوابط البيئية والتنسيق الحضاري على المشروعات العامة، المحك العملي لتحقيق التوازن بين متطلبات التطوير العمراني وصون حق الإنسان في بيئة صحية وظل يحميه من تقلبات المناخ.

متاهة النصوص.. لمن تنحاز التشريعات؟

تفتح استباحة المساحات الخضراء باب المساءلة القانونية: كيف تجري عمليات الإزالة الواسعة في وجود نصوص قانونية صريحة تجرّم قطع الأشجار؟

تتوزع المسؤولية القانونية لحماية الأشجار في مصر بين عدة تشريعات؛ حيث تنص المادة 367 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 على معاقبة من يقطع أو يتلف زرعاً أو شجراً بالحبس مع الشغل، بينما تعاقب المادة 162 بالحبس وغرامة بين 100 و500 جنيه وإلزام المتسبب بدفع قيمة ما أتلفه على إتلاف الأشجار في الأماكن العامة والميادين والشوارع والحدائق ودور العبادة. كما تحظر المادة 28 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته قطع أو إتلاف النباتات البرية أو تدمير موائلها الطبيعية، ووضع قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 ضوابط تمنع قطع الأشجار والنخيل في الأملاك العامة المتصلة بالري إلا بترخيص رسمي، وأصدرت وزارة التنمية المحلية الكتاب الدوري رقم 245 لتأكيد حظر القطع دون موافقة المحافظ والبيئة. لكن التجربة الميدانية تُظهر أن سيف القانون يُشهر بصرامة إذا ما قلم مواطن شجرة أمام شرفته، بينما تواصل أجهزة المحليات وهيئات الطرق إزالة غابات حضرية وأشجار معمرة تحت لافتات “المنفعة العامة” ومزاعم “الخوف من سقوط الفروع” و”توسعة المحاور”.

التطبيق على أرض الواقع يعاني من مفارقة صارخة؛ فالنصوص الجنائية تطبق بحزم على المواطن العادي إذا تجرأ على تقليم شجرة أمام منزله، في حين تُعفى أجهزة المحليات وهيئات الطرق والمقاولون من المساءلة، باعتبار عمليات الإزالة تدخل ضمن مشروعات “المنفعة العامة والتطوير”. وحتى مع صدور “الكتاب الدوري رقم 245” من وزارة التنمية المحلية، الذي حظر قطع أي شجرة إلا بعد مراجعة المحافظ وموافقة فرع جهاز شئون البيئة، واصلت أحياء عدة أعمال التجريف تحت لافتات “رفع الكفاءة وتوسعة المحاور”.

وفي ظل هذا التناقض، يدفع المواطن البسيط في محطات الحافلات والأسواق المكشوفة فاتورة خانقة من صحته وحقه في ظل سُلب منه، ليتحول الظل في بلد النيل إلى سلعة تُباع وتُشترى، وتبقى معركة حماية الشجر نضالاً يومياً من أجل البقاء في بيئة إفريقية يزداد قيظها اشتعالاً يوماً بعد يوم.

بينما تعود حافلة أحمد إلى القاهرة، يمر عبر طرق تم تجريدها من تاريخها البيئي، ليقفوحده أمام شمس لم تعد تجد ما يكسر حدتها فوق رأسه وجسده؛ ويدفع من رئته ثمن عوادم السيارات والملوثات التي لم يعد لها حاجز. يؤكد، “المنشار الكهربائي المستخدم في قطع أشجارنا، يشبه ديناميت نوبل، جاء وبالا علينا”.


“ﯾُﻧﻔذ ھذا اﻟﻣﺷروع ﺑدﻋم ﻣن اﻟﺻﻧدوق اﻟﻌرﺑﻲ ﻟﻠﺛﻘﺎﻓﺔ واﻟﻔﻧون – آﻓﺎق، ﺑﺎﻟﺷراﻛﺔ ﻣﻊ أوﻛﺳﻔﺎم، وإﯾﻛو إﻟﻛﺗرﯾك، وﻣﯾﻐﺎﻓون، وﺑﺗﻣوﯾل ﻣﺷﺗرك ﻣن اﻻﺗﺣﺎد اﻷوروﺑﻲ”.