spot_img

ذات صلة

جمع

جحيم المهاجرين في ليبيا.. “قوارب الموت” أكثر إنسانية من البشر

"رحلتي في ليبيا كانت جحيمًا، واجهت خلالها كل أصناف...

تفكيك الخطاب العدائي ضد الأجانب في مصر.. حين تصبح الكلمة سلاحاً فاتكا

قديمًا، قبل أن تشهر السيوف، كانت الحروب تبدأ بكلمة،...

تونس والمهاجرون الأفارقة: حين يصنع الخطاب السياسي مناخًا طاردًا للآخر

في الثاني عشر من أبريل الماضي، شارك بضعُ مئاتٍ...

Egypt’s Migrant Dilemma: What Does the State Really Want?

At eleven o’clock at night, the Hadayek el-Ahram district...

عقدة “المهاجرين في مصر” .. ماذا تريد الدولة حقا؟

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساء، يغرق الشارع...

جحيم المهاجرين في ليبيا.. “قوارب الموت” أكثر إنسانية من البشر

“رحلتي في ليبيا كانت جحيمًا، واجهت خلالها كل أصناف التعذيب والاستغلال، فقد تعرضت للاغتصاب من قبل رجال مختلفون عدة مرات، وكان معي فتيات أعمارهن لا تتعدى الـ14 عامًا تعرضن أيضًا للاغتصاب يوميًا، ولم يطلق المختطفين سراحي سوى بعد أن دفعت أسرتي فدية”، تلك كانت شهادة قصيرة أدلت بها سيدة إريترية تصف فيها واقع المهاجرين والوافدين في ليبيا.

ليبيا المقسمة بين الشرق والغرب بعد الإطاحة بزعيمها الراحل، معمر القذافي، عقب أحداث ثورة فبراير عام 2011، لم تجتمع سوى على  أمر واحد: اضطهاد المهاجرين والوافدين، بكل ألوان التعذيب والاستغلال النفسي والبدني والجنسي والمادي،، فالبلد الغني بالنفط تنتشر فيها جماعات التهريب والإتجار في البشر دون حساب، بل على العكس تلقى دعمًا أوروبيًا كبيرًا.

تختلف التقديرات بشأن عدد المهاجرين في ليبيا، فالمنظمة الدولية للهجرة، كشفت عن وجود ما يقرب من 940 ألف مهاجر في البلاد، استنادًا إلى أحدث إحصاء أجري في الفترة من نوفمبر إلى ديسمبر 2025، لكن العدد الحقيقي يبدو أكثر من ذلك بكثير وفق تقديرات الجهات الحكومية في الشرق والغرب، ويتعدى الـ2.5 مليون مهاجر 80% منهم دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية وفق تصريحات وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية –المعترف بها دوليًا- حاتم الطرابلسي.

التقديرات تشير إلى وجود نحو 52% من المهاجرين في العاصمة طرابلس غربًا و37% شرقًا، و11% في الجنوب، ما زالوا حميعهم يبلغون عن معاناتهم من تحديات مستمرة تتعلق بالحياة اليومية في ليبيا، ويسعى غالبيتهم في الانتقال إلى أوروبا للخلاص من واقع “مؤسف” يحاصرهم دون توقف شعبيًا ورسميًا.

عنصرية برعاية الحكومتين

شهدت العاصمة الليبية، طرابلس، مظاهرات عارمة يوم 4 يونيو الجاري، بعد تسريب أوراق تزعم وجود خططٍ للبعثة الأممية في ليبيا لتوطين المهاجرين في البلاد، على غرار رواندا. ورفع المشاركون شعارات تطالب بإغلاق مقر البعثة الأممية وطرد أفرادها. كما سارعت الحكومتان من الجانبين في ليبيا لاستغلال هذا الغضب لصالحها؛ فنفت حكومة طرابلس أي مخطط، وأطلقت حملة مطاردة للمهاجرين. ولم يترك الجانب الشرقي، تحت قيادة قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، هذه الفرصة لمغازلة مشاعر الليبيين، إذ خرج حفتر ليؤكد أن بلاده لن تكون مسرحاً لميليشيات المهاجرين الذين يأتون ليكسروا ويضروا بالليبيين، مؤكداً أن «ابنكم» صدام، نائبه في قيادة الجيش، أصدر تعليمات واضحة وصارمة بترحيل جميع الجماعات الأجنبية في البلاد. وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة العمل في الشرق الليبي أنه لا تشغيل للأجانب دون ترخيص، مؤكدة رفضها لأي مشاريع للتوطين.

أزمة المهاجرين والوافدين في ليبيا تساوي بين الجميع “العرب أو الأفارقة أو الأسيويين”، ولا تقتصر على الجماعات المسلحة والتي تنتشر كثيرًا في العاصمة طرابلس بدرجة أكبر من الشرق الواقع تحت سيطرة عائلة خليفة حفتر، بل إنها انتقلت إلى جميع فئات المجتمع الذي أصبح ينادي بالتخلص من الوافدين والمهاجرين ظنًا منهم أنهم سببًا في تردي الأوضاع الاقتصادية في البلد الغني بالنفط.

الهجمات الشعبية تزايد خلال الأعوام الأخيرة، وطالبت بالتخلص من الوافدين والمهاجرين لتطال كذلك الفلسطينيين أصحاب القضية العربية الأبرز على مدار العقود الأخيرة، ولم تتوقف على الدعوات التي تطلق عبر الفضاء الرقمي والمحملة بخطاب عنصري، لتخرج عشرات المظاهرات على مدار الأشهر الماضية ضد المتظاهرين.

 التظاهرات لم تتوقف عند إبداء الرأي بل تطورت بعضها إلى اعتداءات على المهاجرين، حيث حطم سوق شعبي للأفارقة في مدينة مصراتة في سبتمبر الماضي واعتدى المتظاهرين على كل المتواجدين في السوق، وسط تعليقات تحريضية على مواقع التواصل الاجتماعي زعمت بأن المهاجرين يعدون “تهديدًا وجوديًا وداخليًا لليبيين”، وأيضًا “مصدرًا للفوضى والجريمة وانعدام الأمن”.

حملات العنصرية الإلكترونية وجدت صدى كبير لدى المراهقين فخلال احتفالات عيد الفطر الماضي، اعتدى مجموعة من المراهقين على عدد من المهاجرين في وسط العاصمة طرابلس، واتهمت المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، حملات الكراهية المنتشرة في الأوساط الرقمية ووسائل الإعلام المحلية والمنصات الإعلامية وصفحات الإعلاميين والمدونيين بتأجيج خطاب الكراهية والعنصرية، محذرةً من خطورته.

دعوات التحريض عبر الفضاء الإلكتروني لم تقتصر على المهاجرين غير الشرعيين بل امتدت أيضًا إلى العمالة الأجنبية الموجودة في البلاد ليطالب المعترضين باستبدالهم بعمال ليبيين، ليزداد الواقع سواء فأظهر تقرير صادر عن مركز الهجرة المختلطة، أن “المهاجرين في ليبيا غالباً لا يحصلون على أجورهم في الوقت المحدد أو حتى على الإطلاق، مما يجعلهم في حالة تُصنف أساسًا على أنها عمل بالسخرة”.

“شقوا جسدي من أجل اغتصابي أنا وصديقتي”

الاعتداءت لم تقتصر على “العمل بالسخرة” بل وصلت إلى العمل تحت التهديد بالعنف، وآخرون يُتاجر بهم في الدعارة أو يتعرضون للاعتداء الجنسي من قبل من يعملون لديهم”، كل هذا وأكثر يحدث وسط غياب أمني وقانوني يُمكن المهاجرين والوافدين من الحصول على حقوقهم، ما يدفع غالبيتهم للهرب إلى أوروبا في ظل الحروب والاضطرابات التي تعاني منها بلدانهم الأصلية.

امرأة إريترية، ناجية من تشويه الأعضاء التناسلية في الماضي، كشفت في تقرير أممي أنها تعرضت هي وصديقتها للشق بالقوة بسكين من قبل تجار البشر ليتمكنوا من اغتصابهما. وتوفيت صديقتها لاحقاً نتيجة النزيف الحاد. وقالت ناجية كانت محتجرة في أحد المستودعات إن رجالاً مسلحين كانوا يقتادون النساء ليلاً كي يغتصبوهن ويعذبوهن ويضربوهن أمام الآخرين.

وأضافت: “تعرّضت للاغتصاب مرتين في ذلك المستودع أمام بناتي ومهاجرين آخرين. حاول رجل سوداني مساعدتي وإيقافهم، لكنه تعرّض للضرب المبرح. وأصيبت ابنتي بالصدمة وما زالت تسألني عن تلك الليلة”.

المحامية والناشطة الحقوقية، ثريا الطويبي، -المناهضة للمهاجرين والوافدين- تؤمن بأن “المتدفقين إلى ليبيا خلال السنوات الماضية خاصة منذ عام 2011 لا يمكن اعتبارهم عمالة منظمة بل هم في كثير من الحالات أفراد وأسر يسعون إلى الإقامة الدائمة بينهم أطفال ومرضى ما يشكل عبئا إضافيا على الدولة”، حسب تصريحاتها لـ”سبوتنيك“.

وزعمت الطويبي أن “هذه العمالة أثّرت سلبا على سوق العمل، ساهمت في زيادة معدلات البطالة بين الليبيين نتيجة توجه القطاع الخاص إلى تشغيل عمالة أجنبية بأجور أقل”، مشيرةً إلى أن “تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين قد يرفع معدلات الجريمة مثل الاتجار بالبشر والمخدرات”.

المقابر الجماعية في ليبيا

تصريحات الناشطة الحقوقية، تنافي الواقع تمامًا، فعلى مدار السنوات الأخيرة، تتهم ليبيا دومًا بانتشار جماعات التهريب والإتجار في البشر ضد المهاجرين، كان آخرها ما كشفه التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم، في فبراير الماضي، بأن “شبكات تهريب إجرامية، غالبا ما تكون على صلة بالسلطات الليبية وشبكات إجرامية في الخارج، تقوم بتجميع المهاجرين وخطفهم”.

جحيم المهاجرين في ليبيا لم يتوقف هنا، فعلى مدار الأعوام الماضية، اكتشفت الجهات الحكومية عديد المقابر الجماعية للمهاجرين، آخرها ما أعلنت عنه السلطات الأمنية في منتصف يناير الماضي بتمكنها من إطلاق سراح 195 مهاجرًا وانتشال 21 جثة عثر عليها في مقبرة جماعية في مدينة أجدابيا، وأشارت التحقيقات إلى أن الضحايا كانوا محتجزين وتعرضوا للتعذيب لابتزاز فدية من عائلاتهم.

وفي عملية منفصلة في الكفرة، اكتشفت السلطات الأمنية، في نفس الفترة موقع احتجاز تحت الأرض على عمق ثلاثة أمتار، معلنةً إطلاق سراح 221 مهاجرا ولاجئا، من بينهم نساء وأطفال، بينهم رضيع يبلغ من العمر شهرا واحدا، وأن المهاجرين احتجزوا لفترة طويلة في ظروف غير إنسانية للغاية، ونقل 10 أشخاص على الأقل منهم إلى المستشفى لتلقي العلاج العاجل، حسب تقرير لـ”المنظمة الدولية للهجرة“.

وفي فبراير عام 2025، أعلنت الأمم المتحدة اكتشاف مقابر جماعية في الجنوب الشرقي للبلاد، وتحديدًا في الكفرة واجخّرة، مشيرةً إلى انتشال نحو 93 جثة، بالإضافة إلى العثور مقبرتين أخريين في نفس الفترة، مبينةً أنه عُثر على 19 جثة في اجخرة (على بُعد حوالي 400 كيلومتر جنوب بنغازي)، بينما عُثر على ما لا يقل عن 30 جثة أخرى في مقبرة جماعية بصحراء الكفرة جنوب شرق البلاد، فضلًا عن وجود نحو 70 جثة في المقبرة الثانية.

لم يكتفِ الواقع الليبي بالانتهاكات الشعبية وممارسات جماعات التهريب والإتجار في البشر، لكنه امتد إلى السلطات في البلاد شرقًا وغربًا، فأسبوعيًا تعلن قوات الأمن ومكافحة الهجرة غير الشرعية عن ضبط وترحيل المئات من المهاجرين، دون الالتزام باللقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، وأيضًا اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن اللاجئين.

فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، علق على التعامل الأمني، بالقول إنه “لا توجد عبارات لوصف الكابوس اللامتناهي الذي يُجبر هؤلاء الناس على العيش فيه لمجرد إشباع الجشع المتنامي للمتاجرين بالبشر ومن هم في السلطة ويستفيدون من نظام قوامه الاستغلال”.

التقارير الأممية، طالبت السلطات الليبية مرارًا وتكرارًا بالإفراج الفوري عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفياً في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، ووقف ممارسات الاعتراض الخطرة، وإلغاء تجريم الدخول والبقاء والخروج غير النظاميين من البلاد، لكن حتى الآن لم تتخل الجهات الأمنية عن نهجها في وقف الاعتداءات والانتهاكات بحق المهاجرين.

إنسانية أوروبا

الانتهاكات الحقوقية والإنسانية المستمرة ضد المهاجرين، لم تمنع الدول الأوروبية -المتضررة من حملات الهجرة غير الشرعية القادمة من ليبيا- من تقديم المساعدات باستمرار إلى السلطات في ليبيا، فبلغ إجمالي المساعدات التي خصصها الاتحاد الأوروبي لليبيا لدعم ملف الهجرة منذ عام 2015 حوالي 700 مليون يورو، في حين ترى السلطات الليبية أنها أقل من التكلفة التي تتحملها بسبب المهاجرين.

أخر المساعدات كان ما أعلن الاتحاد الأوروبي عنه في أبريل الماضي، بتقديم جزء من مساعدات بقيمة 811 مليون يورو المخصصة لأزمة السودان لدعم الدول المجاورة ومن بينها ليبيا لاستيعاب اللاجئين، فضلًا عن تخصيص 3 ملايين يورو في عام 2025 للاستجابة لتدفق اللاجئين السودانيين. وتعهدت إيطاليا أيضًا بتقديم مساعدات مالية عاجلة بنحو 8.5 مليون دولار لتعزيز التدابير الأمنية والتنموية لمواجهة الهجرة.

تحالف الجميع “الشعب والسلطة وإنسانية أوروبا” ضد المهاجرين النظامين وغير النظامين لم يترك لهم أملًا في بدء حياة جديدة بعيدًا عن الصراعات الدائرة في بلدانهم، لتكون خطوتهم في البحث عن أمل جديد على متن “قوارب الموت” في البحر، مقررين مواجهة تهالك القوارب وخفر السواحل والموت غرقًا” على البقاء في ليبيا.

spot_imgspot_img