على بعد كيلومترات قليلة من مقر الاتحاد الإفريقي في قلب أديس أبابا، رمزِ الدبلوماسية الإفريقية، كان مشهد مغاير تماماً يتشكّل داخل جدران صحيفة «أديس ستاندرد». لم تكن صالة التحرير هناك مسرحاً لنقاشات اعتيادية حول خطط النشر اليومية، بل لرجال أمن يكسرون ما تطوله أيديهم.
في الأول من أغسطس 2026، اقتادت قوة أمنية رئيس تحرير الصحيفة المستقلة، يوناس كدير (Yonas Kedir)، من مقر عمله. وخلال 24 ساعة قضاها محتجزاً، تعرّض لاعتداء جسدي واستجواب مطوّل حول تغطية الصحيفة لتجدد القتال في غرب تيغراي، وحول أسئلة كان قد وجّهها إلى قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بشأن دور إثيوبيا في الحرب السودانية، بحسب لجنة حماية الصحفيين، قبل أن يُفرج عنه.
ولم تتوقف الملاحقة عند هذا الحد. ففي اليوم التالي، اقتحمت قوات الأمن والاستخبارات مقر الصحيفة، وفتّشته، وصادرت كاميرات احترافية بدقة 4K وحوامل وأجهزة إنتاج صوتي، وحطّمت أنظمة الإضاءة عمداً، في مسعى واضح لتصفية بنيتها التحتية.
وفي الثالث من أغسطس، ضغطت الشرطة على مالك المبنى ليسلّم الصحيفة إنذاراً بالإخلاء خلال ثلاثة أيام، بعد ستة عشر عاماً أمضتها في المقر نفسه.
قمع بيد فائز بجائزة نوبل
لم تكن هذه حادثة فردية. ففي أبريل الماضي، اقتاد رجال بزيّ مدني مدير التحرير، مليون بيني (Million Beyene)، من صالة التحرير، وأخفوه قسرياً نحو أسبوعين دون تهمة أو تفسير، قبل أن يغادر الصحيفة لاحقاً. وكانت هيئة الإعلام الإثيوبية قد ألغت في 24 فبراير 2026 شهادة تسجيل الصحيفة، بحجة تهديد الأمن القومي وخرق قانون الإعلام، وهو قرار لا تزال الصحيفة تطعن عليه أمام القضاء. وفي الأثناء، اعتُقل عدد من صحفييها أثناء عملهم، واضطر آخرون إلى الاستقالة خوفاً على حياتهم.
خلال الأعوام الأخيرة، كانت «أديس ستاندرد» قد خفّضت سقف انتقادها لسلطات آبي أحمد، في ظل قمع متصاعد يطال كل صحفي وصوت معارض. لم يكن ذلك كافياً. تصف منظمة «مراسلون بلا حدود» ما يجري بأنه «استراتيجية ممنهجة لخنق واحدة من آخر وسائل الإعلام المستقلة في البلاد». وفي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، تراجعت إثيوبيا إلى المركز 148 من أصل 180 دولة، ودخلت خانة «الوضع الخطير للغاية» — واحدة من خمس دول إفريقية فقط في هذه الخانة، إلى جانب رواندا والسودان وجيبوتي وإريتريا.
المفارقة المؤلمة أن هذا الخنق الممنهج يحمل توقيع رجل فتح له الغرب ذراعيه باعتباره رجل السلام. ففي 2018، عام وصوله إلى السلطة، عفا آبي أحمد عن آلاف السجناء السياسيين، وأوقف الرقابة على الإعلام، وقنّن أحزاب معارضة محظورة. وللمرة الأولى منذ 14 عاماً، لم تسجّل لجنة حماية الصحفيين في إحصائها السنوي لعام 2018 أي صحفي خلف القضبان في إثيوبيا — بلدٍ كان من أسوأ سجّاني الصحفيين في إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي العام التالي ذهبت إليه جائزة نوبل للسلام. لكن حيثيات الجائزة، خلافاً لما استقرّ في الأذهان، لم تكن عن حرية الصحافة: مُنحت رسمياً «لجهوده في تحقيق السلام والتعاون الدولي، وعلى وجه الخصوص لمبادرته الحاسمة لحلّ النزاع الحدودي مع إريتريا المجاورة». أما الإصلاحات الداخلية فوردت في بيان اللجنة بوصفها إنجاز مئة يوم أولى. وهكذا تحوّلت جائزة مُنحت على وعود لم تُختبر إلى ما يشبه «شيكاً على بياض» لشرعنة ما تلاها.
ولم تمضِ ثلاث سنوات حتى انقلب المشهد. الرجل القادم من جهاز أمن شبكة المعلومات الإثيوبي صار، بحسب صحفيين مستقلين ومنظمات حقوقية، مثل سابقيه — وربما أسوأ.
غلق كل ما هو معارض
بدأ التحوّل مع اندلاع حرب تيغراي في نوفمبر 2020. ضغطت السلطات على وسائل الإعلام المستقلة كي لا تكتب عن الانتهاكات، لا سيما العنف الجنسي والقتل خارج القانون، وصاحب ذلك قطع متعمّد للإنترنت استمر أكثر من 700 يوم متواصل في أجزاء واسعة من الإقليم، في واحد من أطول أعمال الحجب في العالم. لم يكن الهدف عزل الإقليم فحسب، بل منع أي رواية تخرج منه.
ثم جاءت موجة الاعتقالات. وثّق مرصد «سيفيكوس» احتجاز 12 صحفياً على الأقل بين مارس ويونيو 2025 وحدهما، بينهم سبعة من هيئة الإذاعة الإثيوبية (EBS) بسبب حلقة تلفزيونية واحدة. وفي سبتمبر 2025، حذّرت هيومن رايتس ووتش من «تصاعد» في اعتقال الصحفيين، موثّقةً ستة على الأقل احتُجزوا تعسفياً منذ أغسطس من ذلك العام، بينهم من أُخفي قسرياً أياماً قبل الإفراج عنه.
اعتقد الصحفيون أن الحملة تسبق الانتخابات ثم تنتهي. أُجريت الانتخابات البرلمانية في الأول من يونيو 2026، وأُعلنت نتائجها في 21 منه بأغلبية ساحقة لحزب الازدهار الحاكم. ففي نهاية يوليو، وجّهت هيئة الإعلام الإثيوبية «إنذارات كتابية أخيرة» إلى قناة «آرتس تي في» وإذاعة «أهادو إف إم 94.3»، مهدِّدةً بوقف نشاطهما أو سحب تراخيصهما بذريعة «المساس بالأمن القومي والمصلحة الوطنية»، قبل الحملة الأخرى ضد “أديس ستاندرد”.
لا فرق بين محلي وأجنبي
وفي تقرير أصدره المرصد الدولي لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان — المشترك بين الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب — في 10 ديسمبر 2025، تحت عنوان «وهم التقدّم: مدافعو حقوق الإنسان في إثيوبيا تحت الهجوم»، وُثّقت 244 حالة اعتقال على الأقل طالت 201 صحفي منذ 2019، إلى جانب الإخفاء القسري والتعذيب والحبس دون محاكمة وقتل عشرات المدافعين عن حقوق الإنسان. وخلال خمس سنوات، فرّ أكثر من 50 صحفياً وحقوقياً خارج البلاد.
ولا تميّز السلطة بين محلي وأجنبي حين يتعلق الأمر باحتكار السردية. في فبراير 2024، حين اعتقل الأمن الإثيوبي الصحفي الفرنسي أنطوان غاليندو(Antoine Galindo)، الموفد لتغطية قمة الاتحاد الإفريقي، ووجّه إليه اتهاماً بـ«التآمر لإثارة الفوضى» لمجرد إجرائه مقابلة صحفية في فندق بأديس أبابا. أُفرج عنه بعد أسبوع وغادر البلاد. بعد عامين من هذا الاعتقال، رفضت هيئة الإعلام تجديد اعتماد ثلاثة صحفيين من وكالة «رويترز»، وسحبت اعتمادات مراسلي «دويتشه فيله» المحليين. أما الباقون فيعملون تحت مراقبة دائمة، ولا يدخلون مناطق النزاع إلا بمرافقة أمنية، ضماناً لألا تتسرّب رواية مضادة لرواية النظام.
وما يحدث في إثيوبيا ليس معزولاً عن سياق أوسع. فوفق مؤشر «مراسلون بلا حدود» لعام 2026، تراجعت حرية الصحافة في 100 دولة من أصل 180، وباتت أكثر من نصف دول العالم — 52% منها — في خانتَي البيئة «الصعبة» أو «الخطيرة للغاية». وفي إفريقيا وحدها تقع 29 دولة من 48، أي نحو 60%، في هاتين الخانتين.
ولعل ما يؤكد تجذّر هذا النهج ما كشفته «أديس ستاندرد» استناداً إلى التقرير السنوي للاتحاد الأوروبي عن حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم لعام 2025: سعي الحكومة الإثيوبية إلى «مركزة السلطة» أنهك المؤسسات الديمقراطية الهشّة وصدّعها، وأدى إلى تدهور حاد في حقوق الإنسان. اعتراف أوروبي متأخر يفضح كيف تُستخدم أجهزة الدولة لسحق أي استقلالية مؤسسية، تكريساً لسلطة لا تقبل بصحافة حرة تراقبها أو تسائلها.
في أقل من 8 سنوات من وصوله للسلطة نجح آبي أحمد في تثبيت وسائل قمعية، وفي ظل تشابك المصالح الذي نجح في إقامته مع العديد من الدول لغض الطرف عن انتهاكاته، لم تبق سوى بعض المؤسسات القليلة التي تنتقد سياساته القمعية ضد الإعلام والحريات. يؤكد يوناس كيدير أن الصحفيين يعيشون في إثيوبيا في بيئة يسودها الخوف والقيود، مما يدفعهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية وتجنب نشر الحقائق للحفاظ على سلامتهم، ونتيجة لذلك، يحرم المجتمع من الحصول على معلومات موثوقة ويُضعَف دور الصحافة المستقلة في كشف الانتهاكات ودعم مسارات الحوار والسلام.
في المقر الذي أمضت فيه «أديس ستاندرد» ستة عشر عاماً، لم يتبقَّ سوى إضاءة محطّمة وإنذار بالإخلاء. أما الميدالية التي سُلّمت في أوسلو قبل نحو سبع سنوات، فلم يطلب أحد استعادتها بعد.



