في سوق الفاكهة والخضار بمنطقة إمبابة بالقاهرة، يعمل كريم حسن كـ”الروبوت” في سوق خضار كبير. مع كل زبون، تلتقط يده اليسرى الأكياس البلاستيكية بحركة آلية لتعبئة كل منتج، قبل أن يحسب المبلغ ويقبض الثمن. وأمامه، يمتد طابور طويل من الزبائن ينتظرون بصبر. في كل يوم، وخلال ساعات عمله الممتدة لمنتصف اليوم يستخدم كريم آلاف الأكياس البلاستيكية دون أن يدرك أثرها على البيئة. ورداً على سؤال حول التلوث البلاستيكي، قال الشاب: “لا أفهم عما تتحدث؟ هذه هي طريقة عملنا”.
يؤكد الشاب البالغ من العمر، 27 عاما، “الجميع هنا يريدون تعبئة كل منتج على حدة. بدون أكياس بلاستيكية، نتوقف على العمل. علينا دائماً التأكد من وجود ما يكفي منها”.
في مصر، يُستخدم 12 مليار كيس بلاستيكي سنوياً، وفقاً لدراسة أجرتها وزارة البيئة المصرية عام 2019. وتكفي جولة واحدة في السوق إدراك مدى انتشار الأكياس البلاستيكية في كل مكان بين البائعين وحتى على الأرض؛ إذ لا تُستخدم أي بدائل للتغليف، ويخرج كل زبون من السوق بحوزته كيسان على الأقل يحتويان على فاكهة، أو خضار، أو أدوية، أو حتى عبوة بسكويت صغيرة. ويوضح بائع مانجو آخر يجر عربة في السوق: “هنا لا تتوفر سوى الأكياس البلاستيكية، وهي الأرخص. كيلو هذه الأكياس يكلف 50 جنيهاً مصرياً”.
إنتاج ضخم للبلاستيك
وراء هذا الاستهلاك الكبير للبلاستيك تقف صناعة آخذة في الازدهار. فمع وجود نحو 20 ألف مصنع بلاستيك (مقسمة بين 12 ألف مصنع رسمي و8 آلاف غير رسمي)، تحتل مصر المرتبة الأولى كأكبر منتج للبلاستيك في الشرق الأوسط وإفريقيا، وفقاً لخالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والبلاستيكية ونائب رئيس شعبة البلاستيك باتحاد الصناعات المصرية. ومن بين المصانع الرسمية، هناك نحو 6 آلاف مصنع مخصص لإنتاج الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
يشيد أبو المكارم في حديثه إلينا بـ “الاستثمارات في قطاعنا تصل سنوياً إلى نحو 7 مليارات دولار، بنمو سنوي لا يقل عن 10%”. وأضاف: “هذه الصناعة مهمة جداً للاقتصاد لأنها توظف بشكل رسمي أكثر من 400 ألف شخص، دون احتساب القطاع غير الرسمي”.
كما تتجلى هذه المكاسب المالية من خلال الصادرات؛ ففي عام 2025 صَدَّرت مصر منتجات بلاستيكية بقيمة 2.4 مليار دولار. وبحسب خالد أبو المكارم، فإن 40% من هذه الصادرات ذهبت إلى أوروبا. وفي العام الحالي، تستهدف مصر رفع صادراتها من البلاستيك والمطاط إلى 3.8 مليار دولار.
من جانبه، يؤكد هاني حلمي، رئيس شركة “الأهرام”، وهي واحدة من أكبر مصانع إنتاج التغليف في مصر: “نحاول جذب مستثمرين محليين وأجانب للانضمام إلى صناعتنا”. وهذا العام، افتتح حلمي، المعرو بـ”ملك البلاستيك” مصنعين جديدين في مدينة بدر الصناعية بضواحي القاهرة. وبطاقة إنتاجية تبلغ 8 آلاف طن شهرياً، تنضم هاتين المنشأتين إلى ثلاثة مصانع أخرى تقع في صعيد مصر.
ويبرر هاني حلمي ذلك قائلاً: “المنتجات البلاستيكية جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وتدخل في معظم الأشياء التي نستخدمها، بدءاً من أكياس البقالة، وزجاجات المياه، وأكياس التغليف وغيرها”.
حظر غير قابل للطرح
ومع ذلك، فإن هذا الارتفاع الهائل في الإنتاج لا يخلو من عواقب على مصر،. ووفقاً لدراسة نشرها الصندوق العالمي للطبيعة في فرنسا (WWF France)، تتصدر مصر قائمة الدول المتوسطية الأكثر تلوثاً بالبلاستيك.
يقول محمد كمال، رئيس جمعية “غرينتش” (Greenish) غير حكومية المعنية بالتوعية بالقضايا البيئية، لـ “أصوات إفريقية”: “التلوث البلاستيكي في مصر وصل إلى مستوى حرج. يمكننا التأكيد أن المصريين يأكلون البلاستيك اليوم؛ فقد حللنا الأسماك المباعة في مصر، ولمسنا وجود جزيئات البلاستيك الدقيقة (الميكروبلاستيك)”.
وعلى شواطئ الإسكندرية، يبدو الوضع كارثياً؛ إذ تنتشر الأكياس والعلب البلاستيكية وأعقاب السجائر على طول الشواطئ. وتحد الساحل مكبات نفايات حقيقية يتعين على الأطفال والعائلات شق طريقهم عبرها للسباحة.
ويؤكد كمال: “في الإسكندرية، أخذنا عينات من الرمال على الشواطئ وأظهرت النتائج وجوداً واسع النطاق للبلاستيك. يبدو أن الناس لا يمنحون مكافحة البلاستيك أدنى أهمية لأنهم لا يعتقدون أن له تأثيراً مباشراً على حياتهم”.
ويضيف: “نهر النيل متأثر بشدة أيضاً، والأراضي الزراعية في القرى ملوثة بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة. هذا التلوث منتشر في جميع أنحاء البلاد”.
في أغسطس 2022، وقبل ثلاثة أشهر من تنظيم مصر لمؤتمر الأطراف (COP 27)، أطلقت القاهرة “الاستراتيجية الوطنية للحد من استهلاك البلاستيك”. وتلت هذه الاستراتيجية حملة وطنية تحت عنوان “لا للبلاستيك”، تهدف إلى خفض استهلاك البلاستيك إلى 100 كيس للفرد سنوياً في عام 2025، ثم 50 كيساً في عام 2030.
يوضح محمد كمال: “لدينا وزارة بيئة تريد الحد من الاستهلاك، ووزارة صناعة تشجع المستثمرين على بناء مصانع بلاستيك جديدة”. ويضيف: “فكرة وجود مصر بلا بلاستيك تبدو مجرد يوتوبيا”.
بالنسبة لأحد المصنعين، فإن حظر البلاستيك أمر “غير وارد على الإطلاق”. ويختتم قائلاً: “يمكننا الحد من استخدام أنواع معينة من الأكياس البلاستيكية. ولكن طالما ظلت الأكياس البلاستيكية هي الأرخص ولا تتوفر بدائل بأعداد كافية، سيستمر الناس في استخدامها”.



