spot_img

ذات صلة

جمع

عقدة “المهاجرين في مصر” .. ماذا تريد الدولة حقا؟

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساء، يغرق الشارع...

رحلات غامضة وتصعيد حدودي: هل تحولت إثيوبيا إلى قاعدة خلفية لـ”الدعم السريع”؟

في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد تعيشه السودان ومنطقة...

الفلسطينيون العالقون في مصر بين رعبين: العودة لغزة أو العيش في المجهول

منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان...

عقدة “المهاجرين في مصر” .. ماذا تريد الدولة حقا؟

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساء، يغرق الشارع في ظلام دامس بمنطقة حدائق الأهرام، أحد أحياء محافظة الجيزة، حيث تغلق المحال أبوابها وتطفئ أعمدة الإنارة التزاما بخطة ترشيد استهلاك الطاقة التي فرضتها الحكومة المصرية قبل أسابيع، بينما شق سكون العتمة زعيق رجل بهيئة وقورة بلغ من العمر أرذله في مجموعة من المراهقين السودانيين كانوا يقتلون الوقت بالتسكع ليلا.

لم أعلم سبب المشاجرة التي استمرت بضع دقائق، لكن بدا الرجل مستشيطا يصب لعناته على اللاجئين والوافدين في مصر، يلقي عليهم اللوم بالتسبب في أزمة الطاقة التي تمر بها البلاد جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كما لو أنهم أشعلوا فتيلها أو أغلقوا مضيق هرمز الذي يتدفق منه ربع صادرات النفط العالمي، وواصل هجومه بلا توقف بمطالبتهم بمغادرة البلاد لما يعتقد أنهم سبب الكثير من الأزمات الاقتصادية التي جلبوها معهم في أمتعتهم أثناء نزوحهم القسري إلى مصر.

غادر الرجل المكان بينما لم تبرحني الأسئلة عن مدى تأثر هذا الرجل بخطاب العنصرية ضد اللاجئين والوافدين الذي تصاعدت حدته في الأشهر الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية، إذ تم رصد صفحات وحسابات تطالب بترحيل السودانيين والسوريين على وجه الخصوص ورفض ما وصفوه بمحاولات إعادة توطينهم في مصر.

تتزامن الحملة على الفضاء الرقمي مع حملات أمنية استهدفت بشكل مباشر توقيف وترحيل آلاف الوافدين واللاجئين بعضهم لم يستوفوا إجراءات الإقامة وآخرون تبين أنهم يحملون الكارت الأصفر الذي تمنحه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر بصفة ملتمس لجوء.

اتخذت هذه الحملة طابعا مأساويا إذ أعلنت مؤسسات حقوقية وفاة ستة لاجئين معظمهم من أبناء الجالية السودانية داخل مراكز الاحتجاز، جرى القبض عليهم في أماكن مختلفة في سياق حملة أمنية موسعة استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر خلال الأشهر الماضية، وشهدت تصاعدا ملحوظا منذ مطلع العام الجاري، حسبما توضح تقارير منصة “اللاجئين في مصر”.

أحدث المنضمين لقائمة ضحايا هذه الحملة راشد محمد عباس كان مسجلا لدى مفوضية اللاجئين بمصر وتم إيقافه في الأسبوع الأول من مارس 2026 في وقت كان خارج المنزل لشراء بعض الاحتياجات الأساسية لأسرته، ولم يتبين بعد إن كان الوفاة حدثت في مقر الاحتجاز نفسه، أم في أثناء نقله إلى المطار لترحيله قسرا تحت مسمى “العودة الطوعي”.

بالتزامن مع الحملات الميدانية، شهد الفضاء الرقمي في مصر موجة منظمة من خطابات الكراهية والتحريض ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، إذ رصدت “منصة اللاجئين في مصر” تنشيطا مكثفا لعدد كبير من الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي كثير منها بلا هوية واضحة أو ببيانات تعريفية مضللة،، تقول المنصة إن الحسابات عمدت إلى نشر روايات كاذبة أو غير موثقة عن اللاجئين، وربطت وجودهم بالجريمة والانهيار الاقتصادي، وتعميم وقائع فردية لتأليب الرأي العام ضدهم على أساس الجنسية أو اللون.

تنسجم الحملات الإلكترونية مع الخطاب الذي يتبناه إعلاميون مقربون من الحكومة للتعامل مع ملف اللاجئين، إذ انتقد أحمد موسى الإعلان عن شراكة بين مؤسسة حياة كريمة وهي مبادرة رئاسية معنية بتحسين حياة سكان الريف المصري والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لبحث دمج اللاجئين في المبادرات التنموية التي تنفذها المؤسسة، وعلى رأسها برامج التمكين الاقتصادي.

موسى اعتبر أن توجيه الدعم للاجئين يثير إشكاليات في ظل الأوضاع الاقتصادية، معللا ذلك بالوضع الاقتصادي الذي تمر بها مصر وما يفرضه من أعباء على الحكومة، وفي معرض هجومه على إطالة فترة استضافة اللاجئين رغم استقرار الأوضاع ببلدانهم على حد قوله، قال موسى إن اللاجئين يشاركون الشعب المصري في حصته من المياه، في ظل تناقصها بسبب سد النهضة، كما يأكلون من القمح الذي تستورده مصر ويستهلكون من النفط الذي تستورده القاهرة.

وتابع مقدم برنامج “على مسؤوليتي”: “الأولى أساعد الناس بتوعنا حياة كريمة معمولة لمصر معمولة للشعب المصري مش معمولة للأجنبي اسمها حياة كريمة، عندما أُطلق هذا المشروع أُطلق للريف المصري للناس”.

ليست هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها موسى احتضان مصر لأعداد كبيرة من اللاجئين فسبق وطالب بترحيل اللاجئين واصفا وجودهم بـ “الخطر الشديد” وأنهم يمثلون عبئا اقتصاديا في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد المصري، وهو ليس الوحيد ضمن مقدمي البرامج في الفضائيات المصرية إذ عبر يوسف الحسيني عن اندهاشه من هذه الشراكة بين حياة كريمة ومفوضية اللاجئين.

 كما طالب عمرو أديب كذلك بإعادة النظر في هذا الملف مبينا أنه لا يطالب بترحيل اللاجئين لكنه يشدد على ضرورة حصول مصر على الدعم اللازم نظير هذا العبء، متسائلا عن دور الدول الأوروبية التي تفضل بقاءهم في مصر.

أرقام متضاربة

من حين لآخر، تكرر الحكومة المصرية تصريحاتها عن استضافتها 9 ملايين لاجئ ومقيم على أراضيها، أضاف إليهم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مليونا آخر في تصريحات حديثة منتقدا كذلك غياب الدعم الدولي الذي لا يتناسب مع حجم الأعباء المتزايدة ووجود قصور فيما وصفه بالالتزام الدولي بمبدأ تقاسم الأعباء.

لكن تقرير حديث لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أشار إلى أن أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها ومقيمين في مصر حتي 31 ديسمبر 2025 وصل عددهم إلي 1,098,311 لاجئ وطالب لجوء ينتمون إلى حوالي 60 جنسية، كان لأصحاب الجنسية السودانية نصيب الأسد منهم بنحو 834 ألف لاجئ وطالب لجوء، بينما وصلت أعداد أبناء الجنسية السورية المسجلين في مصر إلي 117 ألف لاجئ وطالب لجوء، وباقي الجنسيات وصل عددهم 146 ألف لاجئ وطالب لجوء.

الفجوة في التقديرات بين الحكومة والمفوضية السامية اللاجئين في مصر تحدث حالة من الارتباك وتساهم في تنامي خطاب الكراهية ضد اللاجئين، فالخطاب الرسمي يمزج بين التفاخر باستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين يتم وصفهم كـ “ضيوف” والتشديد على تحمل أعباء اقتصادية إضافية تقدرها الحكومة بـ10 مليارات دولار سنويا نظير خدمات تعليمية وصحية للاجئين وطالبي اللجوء الموجودين على أراضيها.

تكلفة استضافة اللاجئين باتت لا تخفي مصر الرسمية وغير الرسمية غضبها من تحملها حتى أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أشار في مؤتمر سابق إلى أن “الضيوف يستهلكون مياها تصل إلى 4.5 مليار متر سنويا إذا ما تم احتساب متوسط استهلاك المياه في مصر بنحو 500 متر”.

الخطاب الرسمي موجه بالأساس إلى الاتحاد الأوروبي والدول المعنية بملف مكافحة الهجرة غير الشرعية فكلما ارتفع صوت الحكومة عاليا للشكوى من فاتورة اللاجئين أطلقت أجراس الإنذار في الضفة المقابلة عند الأوروبيين الذين يخشون من تدفق الحشود إلى شواطئهم، ففي مارس 2024، اتفق الاتحاد الأوروبي ومصر على حزمة مساعدات بقيمة 7.4 مليار يورو يتم تقديم معظم هذه الأموال كقرض وهي مصممة لزيادة التجارة والاستثمار في مصر، كما تشمل أيضا 200 مليون يورو مخصصة للحدود المصرية وإنفاذ قوانين الهجرة.

وفي وقت سابق أيضا خصص الاتحاد الأوروبي 20 مليون يورو أخرى لاستقبال النازحين الفارين من حرب السودان وهي استجابة تشكلت بسبب تأثير الحرب على الهجرة غير النظامية في المنطقة ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

إلا أن هذا التعاون يواجه انتقادات من منظمات حقوقية معنية بالملف إذ ترى أن المنح الأوروبية لم تغير في السلوك الأمني بزيادة عمليات توقيف واحتجاز اللاجئين خلال الفترة الماضية، كما ترصد زيادة ممنهجة لحملات خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين والأشخاص الذين يدافعون عنهم.

إلصاق انتشار أمراض غير مستوطنة في مصر مثل التهاب السحائي باللاجئين والوافدين في مصر لم يخرج عن هذا السياق، فينما نفت وزارة الصحة انتشاره في مصر بعد اكتشاف حالات في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإنجلترا بين الطلاب، ربطت بعض التعليقات الحالة بزيادة عدد اللاجئين الذين تفتح لهم الحكومة أبوابها للإقامة في مصر خلال الفترة الأخيرة.

ثمة ربط بين السيدة التي هاجمت فتح الحدود أمام الجاليات الأفريقية لاعتقادها بأنهم قد يحملوا في أجسادهم الوباء والرجل الذي صرخ في مجموعة من المراهقين السودانيين، كلاهما يمتلكان هاتفا محمولا يتابعان فيه الأخبار التي تشير إلى تحمل مصر فاتورة سنوية تقدر بـ 10 مليار دولار جراء خدمات تقدم للاجئين بينما تضيق الحياة عليهم يوما بعد الآخر حيث تلتهم الأسعار معاشاتهم الهزيلة وفقدوا حيلهم لتجنب الانزلاق أسفل خط الفقر.  

إن المعضلة الحقيقية التي تواجه الحكومة المصرية اليوم هي محاولة الجمع بين المنح الاقتصادية التي تستفاد منها بسبب استضافة اللاجئين وضبط حدودها لمنع خروج رحلات هجرة غيرة نظامية إلى البلدان الأوروبية والتململ العلني المباشر أحيانا وغير مباشر من الاستمرار في لعب هذا الدور لما ينطوي على أعباء إضافية نتيجة استضافة اللاجئين والوافدين، هي المسافة أيضا بين الضيوف المرحب بهم كما يرد في خطاب الحكومة ولاجئين انتهت فترة إقامتهم وحان وقت عودتهم لأوطانهم بتعبير الإعلامي أحمد موسى.  

 

 

نشر هذا الموضوع ضمن ملف عن المهاجرين في بعض الدول الإفريقية

spot_imgspot_img