spot_img

ذات صلة

جمع

رحلات غامضة وتصعيد حدودي: هل تحولت إثيوبيا إلى قاعدة خلفية لـ”الدعم السريع”؟

في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد تعيشه السودان ومنطقة...

الفلسطينيون العالقون في مصر بين رعبين: العودة لغزة أو العيش في المجهول

منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان...

الصوت الذي يشبه الحرية: أم كلثوم كما سمعتها أفريقيا

لم أكن ذاهبا للبحث عن أم كلثوم، كنتُ فقط...

رحلات غامضة وتصعيد حدودي: هل تحولت إثيوبيا إلى قاعدة خلفية لـ”الدعم السريع”؟

في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد تعيشه السودان ومنطقة القرن الإفريقي، إذ رصدت تقارير الملاحة الجوية تحركات مثيرة للجدل لطائرات شحن انطلقت من دولة الإمارات العربية المتحدة باتجاه إثيوبيا، في وقت تتزايد فيه الاتهامات الرسمية السودانية لأديس أبابا بفتح أراضيها لتكون قاعدة انطلاق لعمليات قوات الدعم السريع.
رصدت منصات تتبع الطيران إقلاع طائرتي شحن من طراز Il-76TD من مطار العين في دولة الإمارات متوجهتين إلى إثيوبيا. الطائرة الأولى تحمل التسجيل RA-76370 وتديرها شركة “أباكان إير” (Abakan Air)، تلتها بفارق قصير الطائرة الثانية RA-76502 التابعة لشركة “أفياكون زيتوترانس” (Aviacon Zitotrans).
هذه الرحلات، التي تأتي في سياق ما يصفه مراقبون بـ “الدعم اللوجستي المستمر”، تثير ريبة الخرطوم الذي يرى في هذه الشحنات وقوداً لاستمرار العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، خاصة أنها تأتي بعد وقت قصير من زيارة استراتيجية من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الإمارات في مارس 2026، ما يعزز التكهنات حول وجود تنسيق عالي المستوى يتجاوز الأطر الدبلوماسية المعلنة.
لم تقتصر الاتهامات على الجسر الجوي فحسب، بل وصلت إلى حد الحديث عن بنية تحتية عسكرية كاملة. فقد أشارت تقارير استخباراتية، عززتها صور الأقمار الصناعية ونشرتها وكالات أنباء دولية مثل “رويترز” في فبراير الماضي، إلى وجود معسكر تدريب لمقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع في منطقة “بني شنقول-جُمُز” الإثيوبية المحاذية للحدود السودانية.
ووفقاً لمصادر دبلوماسية وأمنية تحدثت لوسائل إعلام، فإن هذا المرفق لا يعمل فقط كمركز للتدريب، بل كقاعدة لدعم عمليات التجنيد وتسهيل حركة المقاتلين الأجانب. وفي هذا السياق، نقلت قناة “الجزيرة” عن مصادر حكومية سودانية رفيعة أن الخرطوم بدأت فعلياً بالتحضير لفتح جبهة عسكرية جديدة في شرق السودان، رداً على ما وصفته بتواطؤ أديس أبابا في السماح لقوات الدعم السريع بإنشاء قواعد عسكرية بالقرب من حدود ولاية النيل الأزرق.ميدانياً، يبدو أن آثار هذا الدعم اللوجستي بدأت تظهر على الأرض. فقد أعلنت قوات الدعم السريع – بالتعاون مع الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (جناح عبد العزيز الحلو) – سيطرتها الكاملة على مدينة الكرمك الاستراتيجية والمناطق المحيطة بها بعد معارك وصفتها بـ “الشرسة”.
وزعم بيان الدعم السريع تكبيد الجيش السوداني خسائر فادحة شملت مقتل أكثر من 400 جندي وأسر العشرات، من بينهم ضباط رفيعي المستوى، بالإضافة إلى الاستيلاء على عشرات المركبات القتالية والدبابات. ورغم تعذر التحقق من هذه الأرقام من مصادر مستقلة وصمت الجيش السوداني حيال هذه الادعاءات، إلا أن سقوط الكرمك يمثل تحولاً جيو-سياسياً خطيراً.
تكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية فائقة لأسباب عدة؛ إذ تقع مباشرة على الحدود الإثيوبية، ما يجعلها ممراً مثالياً للإمدادات العابرة للحدود، كما تمثل ممرًا حيويًا يربط بين ولايتي النيل الأزرق وسنار.، إضافة إلى منح السيطرة عليها نفوذاً يهدد منشآت حيوية، أبرزها خزان الروصيرص، الذي يعد شريان الحياة لإنتاج الكهرباء والري في السودان.
ويرى محللون عسكريون أن تحويل الكرمك إلى نقطة تمركز لقوات الدعم السريع وحلفائها يعني عملياً عزل أجزاء واسعة من جنوب شرق السودان وتضييق الخناق على طرق إمداد الجيش السوداني في تلك المناطق.
إلا أن الوقائع على الأرض، من رحلات الشحن الغامضة إلى السقوط المتسارع للمناطق الحدودية، تضع المنطقة أمام سيناريو قاتم. فمع تأكد التنسيق الإثيوبي مع “الدعم السريع” عبر وسطاء إقليميين لتسهيل بناء المدارج والمرافق العسكرية، فإن النزاع السوداني في طور التحول من حرب داخلية إلى صراع إقليمي واسع النطاق، قد تكون شرارته الأولى تخوم ولاية النيل الأزرق.

وتدخل الحرب في السودان عامها الثالث، بينما يستمر الشعب السوداني في النزوح. وبحسب بيانات حقوقية، فإن واحد من كل أربعة سودانيين يعيش في حالة نزوح. ومع توسع التورط الإقليمي في الحرب، سيدفع المواطنون ثمنا باهظا، متمثلا في توسع دوائر الاضطهاد ضدهم أو الضغط عليهم للتجنيد.

spot_imgspot_img