spot_img

ذات صلة

جمع

تونس والمهاجرون الأفارقة: حين يصنع الخطاب السياسي مناخًا طاردًا للآخر

في الثاني عشر من أبريل الماضي، شارك بضعُ مئاتٍ...

Egypt’s Migrant Dilemma: What Does the State Really Want?

At eleven o’clock at night, the Hadayek el-Ahram district...

عقدة “المهاجرين في مصر” .. ماذا تريد الدولة حقا؟

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساء، يغرق الشارع...

رحلات غامضة وتصعيد حدودي: هل تحولت إثيوبيا إلى قاعدة خلفية لـ”الدعم السريع”؟

في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد تعيشه السودان ومنطقة...

تونس والمهاجرون الأفارقة: حين يصنع الخطاب السياسي مناخًا طاردًا للآخر

في الثاني عشر من أبريل الماضي، شارك بضعُ مئاتٍ من الناشطين في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين، في العاصمة التونسية، تونس، بدعوة من منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ظن المشاركون أن الدعوة ستلقى رواجاً، وسينضم إليهم عددٌ من المواطنين خلال المسيرة، أو ستحرك الجمل المكتوبة على اللوحات وجدان بعض الأشخاص لمحاربة هذه الآفة المتزايدة في البلد. لم يحدث. غنى المشاركون بشعارات قوية ضد العنصرية الممارسة في الدولة، لكن لم يلتفت أحد إلى المسيرة وكأنهم لا يرونها.

في تونس، أصبح هناك نفورٌ شعبي من الدفاع عن المهاجرين. تماهى الجزء الأكبر من المواطنين مع خطاب سياسي ومؤسسي، يحتقر هؤلاء المهاجرين، ويعتبرهم سبب كل الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد. لم يعد أحدٌ من المواطنين يؤمن بمسألة التعايش، بل يرى في المهاجرين عامل خوف اقتصادي واجتماعي وأمني.

في فبراير 2023، تغير كل شيء في تونس تجاه المهاجرين. خرج الرئيس التونسي، قيس سعيد، ليتحدث عن وجود “مؤامرة وترتيب إجرامي” وراء تدفق مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء إلى البلاد، والهدف: تغيير التركيبة السكانية لتونس. وجه سعيد اتهامه للمجتمع المدني بتلقي أموال طائلة من أجل توطين المهاجرين غير النظاميين في البلاد. سريعا، لاقت أفكار سعيد تصديقا واسعا في البلاد، وأكد أعضاء أحزاب، لا سيما الحزب القومي التونسي، أن هناك “مشروع استيطان جديد في تونس”. أطلق الحزب عريضة للتوقيع للمطالبة بترحيل المتواجدين بشكل غير قانوني. انطلقت الأجهزة الأمنية لاعتقال عشرات المدافعين عن حقوق المهاجرين بتهم مختلفة، منها غسيل الأموال، على رأسهم سعدية مصباح، التي أدينت بالسجن 8 سنوات وغرامة 30 ألف يورو. طرد العديد من المؤجرين المهاجرين من مساكنهم. طلبت السلطات الإبلاغ عن كل صاحب منزل يوفر مسكنا لمهاجر. حولت الحكومة الشعب إلى كلب مسعور، وحارس على نفسه.

أسس هذا الخطاب لمرحلة جديدة من العنصرية لكل شخص ذي لون أسود في البلاد، حتى الطلاب والمقيمين بشكل قانوني. في المترو، يقلد الشباب أصوات القردة بمجرد رؤية شخص أسود. يتعمد عدد كبير من الشباب والمراهقين مضايقة المهاجرين، أو صدمهم أثناء المشي، أو شتمهم بمجرد رؤيتهم. في بعض الأحيان، يحدث هذا أمام رجال الشرطة، دون أن تتحرك الأخيرة. ترافق ذلك مع حملة على مواقع التواصل تبث خطابات مناهضة للأفارقة في البلاد.

موندي، من نيجيريا، العامل كحداد في حي البحر الأزرق بضاحية المرسى بالعاصمة التونسية، يحاول الاختباء منذ ذلك الحين عن أعين الأمن. يدرك صاحب الورشة قيمته، وضرورة بقائه معه لاستمرار عمله في ظل نقص اليد العاملة، لذا لم يسلمه إلى الشرطة، لكن باقي المهمة تقع على عاتق موندي؛ فعليه أن يختبئ في شوارع جانبية ذهاباً وإياباً بين مسكنه والورشة.

رغم إقامة موندي، صاحب الـ 32 عاماً، مثل المئات الآخرين من المهاجرين في الحي، إلا أن وجودهم مهدد باستمرار في ظل التهديدات التي يعيشونها. ترفض السلطات منح أوراق إقامة لموندي وغيره، لتجعل وجودهم غير مرحب به. لكن المنتظر هو الأصعب، إذ يستعد البرلمان التونسي للتصويت على قانون يهدف لمحاربة “التأثير المشتبه به للهجرة في الخارطة الديموغرافية لتونس”.

في مارس الماضي، طرح 16 نائباً برلمانياً مقترحاً لتعديل قانون الجنسية، كخطوة استباقية للتصدي لزيادة المواليد من المهاجرين المقيمين على الأراضي التونسية. يهدف المشروع، بين أمور أخرى، إلى تقييد منح الجنسية لأبناء الأجانب المتزوجين من تونسيين أو تونسيات، وكذلك تسوية أوضاع المقيمين. قالتها نائبة مشاركة في تقديم المقترح: “نريد التصدي لخطر اختلال التركيبة الديموغرافية”.

العيش بين جحيمين: عنصرية في الداخل ومنع السفر إلى أوروبا

بالتوازي مع ذلك، وقعت الحكومة التونسية اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي في يوليو 2023، تقضي بالحد من الهجرة غير النظامية مقابل مساعدات مالية تتجاوز المليار يورو. تنص الاتفاقية على تقديم 100 مليون يورو سنوياً لتعزيز عمليات تعقب المهاجرين في البحر. على الفور، تحولت الحكومة التونسية إلى حارس للحدود الجنوبية للقارة العجوز؛ انتشرت سفن خفر السواحل لرصد وتوقيف أي مركب يشتبه في تحركه باتجاه الاتحاد الأوروبي مع إرجاعه إلى البلد.

وضع هذا القرار المهاجرين وأي شخص إفريقي بين جحيمين: العنصرية والاضطهاد الداخلي، وعدم السماح بالهروب شمالاً إلى مبتغاهم النهائي. أين المفر؟ إنها الحدود الليبية. على مدار الصيف القائظ، مشى آلاف المهاجرين باتجاه الشرق إلى ليبيا، لا يعلمون ما ينتظرهم. تدور في خلدهم، على الطريق، حكايات الاختطاف وطلب الفدية والتعذيب والانتهاكات الجنسية الممارسة على يد ميليشيات مقربة من النظام في ليبيا. لكن لا بديل عن ذلك. وثقت منظمات حقوقية وفاة العشرات من المهاجرين على هذا الطريق الوعر. جزء ممن وصل وقع في يد الميليشيات بالفعل، والباقي بات مصيره مجهولاً.

ومع خطاب سياسي يحرض ضد ما يسميه الاستيطان، والاتفاقيات الأمنية الموقعة مع أوروبا، يجد موندي نفسه سجيناً للجغرافيا. لا يتخيل هذا المهاجر أن تونس، التي كانت يوماً منبراً للتعددية في القارة، أصبحت سجناً؛ العيش فيه قاتل، والهروب منه قاتل. لا يسع الشاب سوى الانتظار، ومزيداً من الانزواء في شوارع جانبية، على أمل ألا يرصده مواطن يبلغ عنه أو سلطات أمنية تلاحقه.

spot_imgspot_img