فجأة توقفت عقارب الساعة أمام عينيه. استبصر مصيره الذي ينتظره خلال أيامه المقبلة: الموت، وهو أقرب الخيارات، أو النجاة مع الكثير من الخسائر والآلام النفسية التي لن تفارقه فيما تبقى من عمره. هذه اللحظة، حينما ظهر مسلحان أمام سيارته التي يقودها وبجانبه زوجته، على الطريق الفاصل بين قريته ومدينة لاجوس، جنوبي غرب نيجيريا.
خلال أحد أيام الصيف، كان فيكتور أويانوان، برفقة زوجته في الطريق بين مدينة لاجوس، وقرية أسرته أجبور، من أجل حضور جنازة شقيقه. كانت ذكرياته مع أخيه – الذي كان الداعم المالي له طوال حياته – تطوف في رأسه، حاولت زوجته جنيفر، مواساته. رغم تمكن مشاعر الحزن والألم منها.
الطرق تبدو فارغة هذا اليوم. توقع فيكتور وزوجته، التي تحمل طفلها الرضيع، أنهما سيصلان إلى منزل الأسرة لإلقاء النظرة الأخيرة على شقيقه، بين 5 أو 6 ساعات. على الطريق، توقفا لاصطحاب ابن وابنة أخيه. أصبح المشهد حزينا بفتح الذكريات القديمة مع المتوفي. تلقى فيكتور اتصالا من أقاربه يستعجلونه الوصول، ليطمئنهم بقرب وصوله خلال ساعتين، عليه فقط قطع الطريق السريع.
على الطريق السريع، استوقفه شخصان يرتديان زيا عسكريا، لوح أحدهما باستخدام سلاحه لفيكتور بالتوقف. وجه الرجل بزيه العسكري سؤالا لفيكتور: من أين أنت قادم وإلى ذاهب؟”، “من لاجوس إلى أجبور”، رد فيكتور على السؤال الاعتيادي الذي دائما ما يتم طرحه بواسطة رجال الأمن في النقاط الواقعة على الطرق. لكن ما لم يتوقعه وعائلته التي كانت تتسامر بطمأنينة، أنهم وقعوا في فخ للمختطفين.
بعد الانطلاق من النقطة الأمنية المزعومة، وجد فيكتور سيارة تصدمه بقوة من الخلف، بينما من سيارة أخرى، يطلق أحد المسلحين طلقات نارية ويطالبهم بالتوقف. وجد فيكتور نفسه وأسرته محاصرين من جميع الاتجاهات بالسيارات. اضطر للرضوخ والوقوف، قبل أن يظهر مجموعة من المسلحين الملثمين من الأدغال المجاورة، ليعلنوا عن أنفسهم “نحن خاطفون”، قالوها بالإنجليزية، “انزلوا وادخلوا الغابة، نحن نجمع الفدية مقابل الرؤوس، تعاونوا معنا أو سنرديكم قتلى”.
ماذا يحدث؟ تسائل فيكتور في رعب. التفت إلى زوجته، ليجدها ملقاة على الأرض وتخبئ طفلهما الرضيع أسفل منها خوفا من طلقات الرصاص، أما ابن وابنة أخيه فوجدهما متجمدين في مكانهما وكأنهما جثتين.
أمر المسلحون فيكتور والآخرين بالخروج من السيارة، واصطحاب هاتف وحيد معهم. خرج فيكتور من السيارة حافي القدمين، لم يمهله المسلحون ثانية لارتداء حذائه، بينما لم يتوقف طفله عن البكاء، ولا زوجته التي ارتعدت من صوت الرصاص. قال أحد الخاطفين، “هذا الطفل سوف يزعجنا، فلنترك هذه المرأة وطفلها”، قبل أن يقررا إطلاق سراح ابني شقيه اللذين لم يقويا على التحرك من الذعر.
تأكد فيكتور من الوضع، لقد أصبح ضحية اختطاف وعليه أن يسير في الغابة حافي القدمين. تغير السيناريو، كان من المفترض أن يشارك عائلته في الحزن على أخيه المتوفي، الآن على الأسرة أن تبكي هو.
إحصائية صادمة.. البداية من “بوكو حرام”
تكشف الأرقام عن تفحل المأساة. في النصف الأول من عام 2021 فقط، اختطف أكثر من 3000 مواطن لطلب فدية في نيجيريا. بلغ عدد الأشخاص المختطفين في شهر يناير 2022، الذي تم الإبلاغ عنهم إلى 571 شخصا، بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة لافيا الفيدرالية في نيجيريا، ألشوكواما أوكولي، وتكشف الإحصاءات المحلية عن أن 9 ألاف شخص قتلوا خلال عام 2022، بينما تم اختطاف 4600 شخصا، في أحداث متفرقة.
جاء عام 2022 ليكون الأسوأ على الإطلاق. على مدار السنوات الماضية، كانت تتركز عمليات الاختطاف في شمال وشمال شرقي البلاد. ابتدعت حركة بوكو حرام المتطرفة، عملية الاختطاف مقابل الفدية في ولايات منطقة دلتا النيجر. لكن هذه السياسة أصبحت مصدر إلهام للعديد من العصابات وقطاع الطرق الذين يسعون إلى المال، في دولة يقبع أكثر من 63% من شعبها تحت خط الفقر.
بمجيء عام 2022، أصبحت الظاهرة منتشرة في جميع أنحاء البلاد وليس الشمال فقط، لينتشر الذعر في كل مكان. أصبح الإرهاب إلهاما للجريمة، انتشرت عمليات الاختطاف الجماعية والاختفاء القسري وسرقة المواشي، ومهاجمة القرى وحرقها. اضطرت قرى بأكملها وملايين آخرون للهرب، بعد أن أصبح قطاع الطرق والمسلحون يترددون على منازلهم باستمرار لتنفيذ مزيد من جرائم الاختطاف طلبا للفدية.
في نهاية مارس الماضي، فجر قطاع طرق مسلحون خط سكك حديدية، واستولوا على قطار ركاب على طريق بين أبوجا وكادونا. قتل المسلحون، 8 ركاب، واختطفوا 168 آخرين. راكب واحد فقط استطاع الهرب من هذا الجحيم.
بعد الاختطاف بأيام، أطلق المسلحون سراح مسؤول كبير كان بين المختطفين بعد استلام فدية تبلغ 100 مليون نيرة (217 ألف دولار). بالنسبة للركاب الآخرين، دفعت أسرهم مبالغ طائلة، واستمرت المفاوضات حتى شهر أكتوبر الماضي، حينما تم الإفراج عن آخر 23 أسيرا.
وفي بداية يونيو، هاجم مسلحون كنيسة في ولاية أوندو، جنوب غربي البلاد، وقتلوا 30 شخصا. بعد شهر واحد هاجم مسلحون سجنا في ولاية أبوجا، العاصمة، وأطلقوا سراح المئات من المسجونين. وفي بداية نوفمبر، قتل قطاع طرق 11 شخصا واختطفوا أكثر من 80 آخرين أغلبهم من النساء والأطفال، في ولاية زامفرا، شمال غربي البلاد، التي تعد واحدة من أسوأ الأماكن على الأرض فيما يتعلق بانتشار العصابات المسلحة.
لا أحد بمأمن من عمليات الاختطاف. رجل الأعمال النيجيري لاولا أدو، دفع فدية 3 مرات من أجل إطلاق سراح أفراد من أسرته، بينهم ابنتاه، اللتين تم اختطافهما لإجباره على الدفع.
جاءت الانتخابات المحلية في البلاد لتفاقم من الأزمة. أصبح المرشحون يستقوون بقطاع الطرق للقضاء على منافسيهم. حيث قتل 53 شخصا على صلة بالانتخابات، بينهم 31 سياسيا.
لا رحمة للمخطوفين

وصل فيكتور إلى وكر الخاطفين داخل الغابة في النهاية. ليجد شخصين آخرين مقيدين داخل الموقع. تحدث فيكتور مع الاثنين ليكشفا له أنهما لم يتناولا أي طعام منذ وصولهم إلى الموقع منذ يومين. وفي اليوم الثالث، عرض الخاطفون على الرهائن الشرب من مياه ملوثة، لم يكن أمامهم خيار غير القبول. أجبروهم أيضا على التنقل يوميا من موقع إلى آخر، للإفلات من أي محاولة لتعقبهم، وكذلك النوم أسفل الأمطار الشديدة دون غطاء، ليسقط فيكتور وآخرون مرضى.
بعد يومين تاليين من الاختطاف، أجبر المختطفون الرهائن على الاتصال بأسرهم لتجهيز أموال لدفع الفدية، مع فتح ميكروفون الهواتف حتى يتمكنوا من سماع المحادثة. قالوا لفيكتور وملوحين له بالأسلحة، إن يخبر زوجته بدفع 5 مليون نيرة (11 ألف دولار) من أجل إطلاق سراحه.
تحدث الخاطفون مع الأسرة في الهاتف، “5 ملايين دون نقصان وإلا ستندمون، استعدوا لدفن شخص آخر بعد الانتهاء من دفن أخيكم المتوفي”. انتهت المكالمة، وأغلقت الهواتف مجددا، شعر الخاطفون بالأمان، لأن الأسر تعهدت بأنها ستتولى جمع الأموال اللازمة خلال الأيام القليلة المقبلة.
شعر فيكتور بالحظ أن أسرته ستتمكن من جمع المال لإنقاذه. آخرون يضطر الخاطفون إلى قتلهم وإلقاء جثثهم في الأدغال، بعد معرفة أن أسرهم لن تتمكن من الدفع لهم. البعض يتعرض للتعذيب حتى يرجو أسرته التصرف سريعا للدفع. أطلق الرهائن النار على ساق أحد الرهائن لإجبار أسرته على الدفع.
بعد مرور 3 ساعات، أجبر فيكتور على إجراء مكالمة أخرى للسؤال على إذا ما كانت أسرته قد تمكنت من جمع المال. ارتكب فيكتور خطأ كاد أن يودي بحياته، قال لزوجته أنه بخير. بعد الكلمة، انهال عليه الخاطفون بالضرب المبرح، بينما سماعة الهاتف مفتوحة لتسمع زوجته بكائه.
مرت 4 أيام على اختطاف فيكتور، أخبرته أسرته أنها تمكنت من جمع المال اللازم. علم أنه سيكون عليه دين كبير سيقضي أعواما كثيرة لدفعه للدائنين. لكنه على الأقل سيحصل على حريته، وبينما هو عائد في طريقه أخذ يفكر طويلا في رحلته المأساوية، ومصير المختطفين الآخرين الذين ربما قد لا يحالفهم الحظ مثله، بينما يقتل القلق أسرهم، قبل أن يقتلهم رصاص المختطفين.


