قديمًا، قبل أن تشهر السيوف، كانت الحروب تبدأ بكلمة، فالشاعر العربي هو أول من يهاجم خصمه بسلاحه الأفتك -لسانه- وهو آخر من يضعه جانبا، بكلماته الأولى يمهد طريق الحرب للجيش، وبالأخيرة يرسم صورة النصر ويخلدها في الأذهان، لقد كانت الكلمة دائما قادرة على رفع أقواما ووضع آخرين، ولهذا أصبحت السردية سلاحًا له الأثر البالغ في مصير الأمم والشعوب، لا تقاس قوتها بمدى صدقها بقدر ما تقاس بقدرتها على الانتشار والرسوخ في أذهان العامة.
اليوم، اتخذت الكلمة أشكالا متعددة، لكنه قوتها في التأثير لم تضعف، -بل زادت قدرتها على الانتشار أكثر من ذي قبل- فهي منشورات أو تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، تصريحات رسمية أو شبه رسمية، أو أطروحات قومية، تقدم الاجانب او تصفهم باللاجئين كعبء اقتصادي او عامل تأثير ديمغرافي على التكوين السكاني في مصر، ومن ثم يكون فهم الخطاب وتفكيكه ليس ترفا فكريا، بل هو الخطوة الأولى نحو فهمه ومجابهته ومعالجة أسبابه.
الخطاب العدائي – لماذا ينتشر أسرع من الحقيقة؟
قبل أن نتساءل: ماذا يقول الخطاب العدائي؟ علينا أن نتساءل: لماذا ينتشر، رغم أن مضمونه لا يصمد ولن يصمد أمام أدني المراجعة؟، السر ليس في صدقه، بل في بنيته، إنه خطاب صمم لينتشر رغم كذبه، فهو بسيط، لا يحتاج إلى عالم ليصدق، ولكنه يأخذ أزمة معقدة ومتعددة الأسباب والجذور، ويختزلها في جملة واحدة : “ارتفاع أسعار الإيجارات، التضخم، البطالة، التعليم، ارتفاع الاسعار، نقص المياه والأدوية .. الخ”، كل هذه أزمات معقدة متجذرة، لكن الخطاب العدائي يضع بجوار كل منها سببا واحدا جاهزا: “اللاجئون” لا دليل، ولا تحليل، ولا إحصاءات – فقط إشارة تريح من عناء التفكير.
إلى جانب ذلك يمنح هذا الخطاب المواطنين شعورا باليقين لحظة الضياع، فعندما تتدهور الأوضاع الاقتصادية وتتاكل قيمة المدخرات دون تفسير واضح من السلطات، يصبح أي تفسير -ولو كان زائفا- مرحبا به، لأنه يعطي المواطن احساسا بالفهم وسط الفوضى. وهكذا يتحول الأجنبي أو اللاجئ – من مستثمر أو إنسان فر من الحرب- إلى تفسير جاهز لكل ازمة او انهيار اقتصادي.
أما البيئة التي ينتشر فيها هذا الخطاب، فهي بيئة غير منضبطة -إنها منصات التواصل الاجتماعي التي تتحكم فيها خوارزميات تُعلي من شأن التفاعل لا الحقيقة- منشور يربط لاجئاً بحادثة مختلقة يجمع الآلاف من التفاعلات في ساعات، بينما التصحيح الموثق لا يجد طريقا إلى نفس الجمهور، والخوارزميات ليست محايدة – فقد كشف تقييد الوصول الممنهج لمنشورات تتناول حرب الإبادة في غزة أنها قابلة للتوجيه والتحكم، وأن ما يصل إليك ليس بالضرورة ما حدث، بل ما سمح له بالوصول.
ثم يأتي الخطر الأكبر من هذا الخطاب، وهو منطق الهروب من المساءلة الذي يرسيه هذا الخطاب، فبدلا من أن يوجه الغضب نحو من يحتكرون القرار والثروة والسلطة، يحول الخطاب هذا الغضب نحو الطرف الأضعف -اللاجئ الذي لا يقوى على الرد ولا يملك أدوات المواجهة- هذه هي بنية هذا الخطاب، تعتمد على الابتعاد عن نقد أصحاب السطوة والنفوذ، وتجنب انتقاد الجهات التي تحتكر القوة الحقيقية وإلقاء اللوم على الضعيف.
وهكذا يتحول الضحية إلى متهم، ويتحول الجاني الحقيقي إلى شبح غائب لا يرى ولا يلام.
تشريح الخطاب العدائي “أسباب ومصدر الخطاب”
الخطاب العدائي ضد اللاجئين في مصر ليس وليد لحظة عفوية، بل هو إنتاج مشترك تتشابك فيه ثلاث مصادر على الأقل، في مقدمتها التصريحات الرسمية غير الدقيقة من المسؤولين الحكوميين في المستويات العليا، إلى جانب التصريحات شبه الرسمية عن المسؤولين في المستويات دون العليا والشخصيات العامة.
وتمثل هذه التصريحات النواة التي ينبني عليها الخطاب التحريضي، فحتى وان كانت هذه التصريحات لا تستهدف انتاج هذا الخطاب صراحة، إلا أنها قد تحمل في طياتها لغة التهديد والعبء أو الإقصاء، –تصريح أن في مصر “عشرة ملايين لاجئ يضغطون على الاقتصاد والمرافق” مثالا،- وهي لغة تتسرب تدريجيا إلى الوعي الجمعي وتجعل الإقصاء أمرا مألوفا ومقبولا اجتماعيا.
ومع ذلك، فإن الحكومة تميّز رسميًا بين «اللاجئين المسجلين» لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة — حوالي 1.1 مليون شخص طبقًا لأحدث بيانات UNHCR في 30 أبريل 2026 — وبين إجمالي الأجانب والمهاجرين الذي يصل إلى نحو 10 ملايين، وهو رقم رسمي متكرر يشمل كل الوافدين. ورغم هذا التمييز، فإن استخدام الرقم الشامل في الخطاب العام يبقي تأثيره قويًا في ترسيخ صورة «العبء» الواسعة.
ولهذا فإن الفارق بين التصريح الرسمي وشبه الرسمي ليس في الأثر بل في الشرعية: الأول يضفي على الخطاب مصداقية السلطة، والثاني يعطيه انتشار الشعبية.
ثم تأتي الأطروحات القومية الزائفة التي ترتدي ثوب الفخر بالهوية الوطنية، لترسخ صورة اللاجئ منافسا لا شريكا، وهي أطروحات تستعير من الخطاب الوطني المشروع لغته وعاطفته، لكنها توظفهما في خدمة إقصاء الآخر تحت شعار مصر للمصريين، أو تشبيه الأجانب واللاجئين بـ”الهكسوس”، -الغازي المحتل في الوجدان الجمعي المصري- وهذا التشبيه الأخير ليس مجرد مبالغة بلاغية، بل هو توصيف يحمل في طياته دعوة تحريضية مبطنة للتصفية لا مجرد التهميش، لأن الهكسوس في الذاكرة التاريخية المصرية طردوا من البلاد.
واخيرا المنصات الرقمية التي لا تصنع الخطاب العدائي، بل منحته سرعة الانتشار علي نطاق واسع جغرافيا وطبقيا لم يكن ليعرفها من قبل، المشكلة ليست في أن المنصات فتحت تلك الابواب وطلقت عنانهم للتعبير عن ارائهم -فهذا جوهر الحرية- بل في الاليات التي تكافئ الاثارة علي حساب الدقة، والتفاعل والوصول علي حساب الحقيقة، هذا ليس عيبا في المنصات وحده، بل هو تحدٍّ جديد للوعي الجمعي: كيف نتعامل مع كلمة تنتشر أسرع من قدرتها على أن تُفهم؟ وكيف نعرف الحقيقة من الزيف.
وتتفاعل تلك المصادر لتنتج ثلاث صور يتشكل منها الخطاب التحريضي المصري، أحدهما أن اللاجئ يستهلك وياخد من نصيب المواطن في الإنتاج، المياه والخدمات، وهي صورة تتجاهل التمويلات التي تتلقاه مصر مرتبطًا بوجود اللاجئين، وأن إغلاق سوق العمل الرسمي أمامهم هو السياسة التي تصنع العبء، لا اللاجئ نفسه.
والثانية، يتمحور هو التهديد الأمني للبلاد ففي هذه الصورة يكون اللاجئ خطر محتمل بحكم وضعه لا بحكم أفعاله، وتمهد هذه صورة الطريق نحو التطبيع مع انتهاك السلطات للقانون عبر سياسات الاحتجاز أو الترحيل القسري بذريعة “الأمن القومي”.
أما الثالثة وهي أخطر الصور لانها لا تتوقف على حدود التهديد الأمني أو الاقتصادي، بل تضرب في عمق الذاكرة التاريخية والتهديد الديموغرافي، إذ تستدعي تلك الصورة السردية الفلسطينية -كعبرة- كما غير اليهود التركيبة السكانية واحتلوا فلسطين، فسيقوم اللاجئون بتغيير مماثل يهدد الهوية الثقافية وينزع من أصحاب الأرض وجودهم وسيادتهم وينازعهم فيها، خطورة هذه الصورة ليس في دقتها التاريخية -فهي مغلوطة ومضللة-، بل في قدرتها على استثارة قلق وجودي عميق، يصعب مواجهته بالحجج العقلانية وحدها، لأنه يتجذر في خوف البشر الأكثر بدائية من الزوال.
لماذا نفكك الخطاب العدائي ضد الأجانب
لا يقف أثر الخطاب العدائي حد التداول، بل يتخذ مسار تصاعدي تدريجي، ليصل إلى ذورة قوته التأثيرية على حياة الناس.
تبدأ دورة هذا الخطاب بمنشور أو تغريدة أو تصريح ثم ينتشر ويتكرر والتكرار هنا من أقوى أدوات ترسيخ القناعات، قد تكون الفكرة التي تسمعها في المرة الأولى مستهجنة، لكن مع التكرار تبدو مألوفة وتزرع في اللاوعي، ومع مزيد من التكرار، يصبح المستهجن بديهيًا. وحين يكتمل هذه المرحلة، يصبح الخطاب حقيقة لا تحتاج دليلًا.
وحين حين يتكرر وصف اللاجئ بالعبء في مئة منشور ومئة تعليق وتصريح رسمي واحد، يصبح هذا الوصف “معلوماً” لا “مزعوماً.
ثم تنمي الخوارزميات هذه النبتة، عن طريق تقسيم الحسابات على مواقع التواصل إلى فئات، كل فئة حسب اهتماماتها وميولها، فالمستخدم المتفاعل مع المحتوي التحريضي تروي الخوارزميات حسابه بما يتوافق مع قناعاته وتنمي هذا العداء، في المقابل تحجب عنه التقارير الدقيقة التي تكذب المعلومات والمنشورات التحريضية، وتحجب عنه شهادات الانتهاكات التي تقع على اللاجئين أو التقارير الاقتصادية التي تشير إلى مشاركة الأجانب في النمو الاقتصادي، بل تظهر له ما يؤكد ما يخاف منه فتحبسه في فقاعة مغلقة مع المحتوي التحريضي.
أما المرحلة الأخيرة، فيتحول الخطاب إلى بيئة تشرعن سياسات الانتهاك ضد اللاجئين، يقوم الأفراد أو المؤسسات بالاعتداء على الأجانب على أساس عنصري، اللون او الشكل، وليس شرطا ان يكون الاعتداء مادي، بل قد يشكل انتهاك لحقوقهم في التعليم عن طريق غلق المدارس ومراكز التعليم المجتمعي إو عن طريق التنمر والإيذاء اللفظي،
بالتوازي يظهر خطاب عدائي إعلامي ممنهج من الشخصيات العامة والاعلامية واللجان الالكترونية للدعوة إلى ترحيل للاجئين أو إيداعهم معسكرات، ومع اتساع هذا الخطاب، تتقلص المساحة السياسية المتاحة لتبني سياسات إدماج فعّالة، إذ تصبح هذه السياسات عرضة لاتهامات بالتعارض مع مصالح المواطنين،
وهكذا تغلق الدائرة، يبدأ الخطاب ككلمة، وينتهي كسياسة، ثم يعاد إنتاجه في صورة أكثر حدة لتبرير الانتهاكات، ومع ذلك لا يمكن اختزال هذا التحول في تأثير الرأي العام وحده، فحتى حين تبدو الحكومات مستجيبة للضغوط الشعبية، يكون الرأي العام دور غير مباشر في خفض التكلفة السياسية للخيارات السياسية أو توفير غطاء خطابي للسياسات الحكومية القائمة، ويكون تصاعد القبول المجتمعي لسياسات مثل الاحتجاز أو الترحيل القسري، وهكذا يتحول الخطاب العدائي إلى درع تحمي السياسات الانتهاكية من المساءلة، ويُصبح تفكيكه شرطاً ضرورياً لأي إصلاح حقيقي.
أمثلة لتفكيك الخطاب العدائي
مواجهة الخطاب العدائي لا يعني إسكاته أو إنكار الحقيقة، الضغط على الخدمات وسوق العمل تحديات موجودة، وتفكيك الخطاب يعني إعادة طرح السؤال بشكل صحيح: ما السبب الحقيقي لهذه التحديات؟ وهل اللاجئ هو الجواب الصحيح؟.
لا ولن نستطيع تفكيك كل خطابات الكراهية ضد اللاجئين، فلن يسع المقال لمواجهة كل الأكاذيب، ولكن يمكن أن نفكك مثالا أو مثالين، ليفهم القارئ كيف تقوم اللجان ورؤس الفتن التدليس على الناس خطابات تحريضية ضد اللاجئين.
حين يقول الخطاب “اللاجئون يأخذون فرص العمل من المصريين” يتجاهل مصدر الخطاب أن القانون المصري يحظر عمل اللاجئين، وأن المنافسة التي تحدث في سوق العمل غير الرسمي هي نتيجة سياسة الإقصاء لا سببها، بل ان هذه العمالة محرومة من الحقوق التي قررها قانون العمل المصري، من ثم يستغل أصحاب العمل اللاجئين لتشغيلهم دون اي حقوق، والسؤال الصحيح: لماذا لا يسمح لهم بالعمل الرسمي ودفع الضرائب والمساهمة في الاقتصاد بدلاً من المنافسة في الظل؟
أو حين يقول “مصر دولة فقيرة ولا تتحمل هذا العبء” — يتجاهل أن أوغندا، وهي أفقر من مصر بكثير، تستضيف أكثر من مليون ونصف لاجئ بسياسات إدماج أكثر إنسانية وأجدى اقتصادياً، كما يتجاهل هذا الخطاب أن جزء كبير جدا من “العبء” هو في حقيقته تمويل دولي يتدفق إلى مصر بسبب وجود هؤلاء اللاجئين أو لمنع عبورهم إلى أوروبا.
فقد وقّع الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2025 مع مصر حزمة شراكة استراتيجية بقيمة 7.4 مليار يورو، منها 200 مليون يورو مخصصة تحديداً لإدارة الهجرة والحدود، فضلاً عن التمويلات التي تتلقاها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر، والتي تغطي جزءاً كبيراً من الخدمات المدفوعة الأجر التي تقدمها الحكومة المصرية والمؤسسات الشريكة.
واخيرا حين يقول: “لقد رفع اللاجئون الإيجارات” يختزل هذا الخطاب أزمة معقدة كالاسكان (تراكمت بسبب التضخم، والجشع العقاري، وسياسات الإسكان، قوانين الإيجار وعدم الرقابة الفاعلة .. وغيرها) في اللاجئين، رغم أن ارتفاع الإيجارات موجود في أماكن لا يتواجد بها اللاجئون اصلا او تواجدهم فيها ضئيل، وهنا يجب ان نعود الى الازمة الحقيقية، وهو غياب الرقابة على السوق المحلي، واستغلال الملاك لعوز هذه الفئات لرفع الإيجار، ومن ثم فإن الأزمة ليست في اللاجئين ولمن في السياسات الحكومية في الرقابة علي الاسواق او القصور التشريعي وعدم المساءلة.
الخطاب العدائي لا يكذب من العدم بل يأخذ قلقا حقيقيا ويحول وجهته نحو هدف خاطئ. وهذا بالضبط ما يجعله فعالا وما يجعل تفكيكه ضروريا: أن نعيد القلق إلى سببه الحقيقي.
مصر لديها تاريخ عريق في الانفتاح على الثقافات، انصهرت بها كل الحضارات رومانية ويونانية وإسلامية مع أساسها الأول الحضارة الفرعونية، وهو رصيد حقيقي لا يجوز التفريط فيها تحت ضغط خطاب عدائي يغذيه القلق من الأزمات الاقتصادية وتُضخمه منصات لا تفرّق بين الغضب والحقيقة.
مسؤولية الكلمة – أنت من يمكنك منع الحرب
عدنا إلى الشاعر العربي الذي بدأنا منه، لكن الصورة اليوم أكثر تعقيدا، الشاعر لم يعد فردا يقف أمام جيش، بل هو كل من يكتب على منصة تعليقا أو منشورا أو حتي إعجاب او مشاركة -صحفي أو ناشط أو مواطن عادي- وعدوّه لم يعد جيشا قادما من الأفق بل هو خطاب ينتشر في شبكة لا مركز لها ولا قائد.
لكن المعادلة الأساسية باقية الكلمة تسبق السيف، تمهد له أو تثبته في غمده، الخطاب الذي يهيئ للسلطة انتهاك القانون والاتفاقات الدولية، يجرد اللاجئ من إنسانيته اليوم هو الذي يمهد لانتهاك حقوقك انت غداً بلا مساءلة ولا ضمير.
السؤال الذي يجب أن يبقى معلقاً في ذهن كل من يكتب أو يعلق أو يشارك: هل أنا الشاعر الذي يشعل الحرب أم الذي يمنعها؟ لأن الكلمة -كما كانت دائماً- مسؤولية قبل أن تكون سلاحاً.
أحمد معوض، محامي وباحث في سياسات الهجرة


