باعترافها الأحادي غير الشرعي بإقليم أرض الصومال الانفصالي، عثرت تل أبيب على موطئ قدم لها في مضيق باب المندب، لتكون على مرمى حجر من جماعة الحوثي في اليمن، مصدر إزعاجها بمسيرات وصواريخ وتهديد للسفن المارة بالبحر الأحمر طوال عامي الإبادة الجماعية على غزة.
هذا الاعتراف – الذي قوبل باستنكار ورفض دولي وعربي وإفريقي – كان تتويجًا لمخطط ممتد ومعقد تم نسجه بعيدًا عن الأضواء بين تل أبيب وهرجيسا، حصل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي في نهايته على ما أراد. كون إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بإقليم أرض الصومال بعد أكثر من ثلاثة عقود على انفصالها عن مقديشو، وهي خطوة لا تنظر إليها تل أبيب كنصر دبلوماسي فحسب، بل كاختراق أمني كبير في إطار محاولاتها لترسيخ وجودها في خليج عدن والبحر الأحمر.
تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي مميز عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، وبها ميناء تاريخي مهم كميناء بربرة الواقع على شواطئ خليج عدن، كذلك المطار القريب منه الذي يضم أحد أطول مدارج الطائرات في أفريقيا، وهي عوامل وضعت الإقليم الانفصالي في نقطة إشراف محورية على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
وفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، تسعى تل أبيب – عبر اعترافها بأرض الصومال وإبرامها صفقة تهدف إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين الممرات المائية الاستراتيجية في البحر الأحمر – إلى استعراض نفوذها الدبلوماسي بعد عامين من الحرب، وتقويض الدور الإيراني في اليمن بتقليل التهديدات التي يشكلها الحوثيون على الملاحة البحرية. وهي صفقة لم تباركها واشنطن على الأقل، لكنها لا تبدي ممانعة لتوسيع نفوذ تل أبيب.
صفقة لم تكن لتتم بدون الدعم الإماراتي، وفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية، حيث ترتبط أبوظبي بعلاقات وطيدة مع الحكام في هرجيسا. وكان لافتًا أن الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي لم تقدم على إدانة اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، ما أثار علامات الاستفهام حول الدور الذي تضطلع به أبوظبي في هذه الصفقة في ظل تشابك المصالح وتقاطعها في مناطق جيوسياسية حساسة.
للإمارات تاريخ طويل في الصومال يعود إلى مطلع التسعينيات مع إرسالها قوات إلى العمليات الإنسانية وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بعد الحرب الأهلية التي استمرت عقودًا، وزاد نفوذها مع إنشاء قوات الشرطة البحرية في بونتلاند، التي تسعى للانفصال هي الأخرى عن مقديشو، وزادت من وجودها الإجمالي بالصومال، وانخرطت قواتها بشكل دوري في نزاعات سياسية ومنح تمويلات للتصدي لأنشطة حركة الشباب الصومالية.
لكن نقطة التحول في علاقتها بأرض الصومال كانت توقيع اتفاقية 2016 وشروعها في إنشاء قاعدة على موقع بمطار مدينة بربرة في الإقليم، وسمح لها بالبقاء فيها لمدة ثلاثين عامًا، وتقع بربرة على بعد أقل من 300 كيلومتر إلى الجنوب من اليمن.
يعد ميناء بربرة الميناء الرئيس لمدينة بربرة، العاصمة التجارية لإقليم صوماليلاند، ويُصنّف ضمن الموانئ المهمة في منطقة القرن الإفريقي. وقد ازداد الاهتمام الدولي بالميناء منذ إعلان الإقليم في 1991 انفصاله عن الصومال عقب اندلاع الحرب الأهلية وانهيار الحكومة المركزية في البلاد.
ولت أبوظبي أنظارها إلى هرجيسا بعد فشلها في التحالف مع حكومة الصومال المعترف بها دوليًا في مقديشو، التي تدعمها تركيا وقطر بمساعدات واستثمارات، كما خفضت الإمارات التمويل الذي كانت تقدمه إلى الجيش الوطني الصومالي بعد اتفاقية دفاع ثنائية تُلزم تركيا بزيادة دعمها العسكري للجيش الصومالي والشروع بمساندة البحرية الصومالية والمساعدة في مراقبة الشريط الساحلي في البلاد، بالتالي تضاءل الدور الإماراتي هناك، وباتت أرض الصومال فرصتها الوحيدة للحفاظ على وجودها في خليج عدن.
أسهمت الإمارات كذلك في تعزيز العلاقات بين أديس أبابا وهرجيسا، حيث لعبت دورًا كبيرًا في توقيع اتفاقية تمنح إثيوبيا حق تشغيل ميناء بربرة، الذي جددته أبوظبي بمنطقة أرض الصومال لأغراض تجارية وعسكرية، وهي اتفاقية لاقت اعتراضًا من مصر وتركيا على وجه الخصوص، حيث تمنح هذه الاتفاقية لأديس أبابا منفذًا بحريًا بالبحر الأحمر لا تتمتع به الدولة الحبيسة.
صحيح أن الإمارات لا تعترف رسميًا بأرض الصومال، لكنها تمتلك نفوذًا وتتمتع بعلاقات نافذة مع قادتها الطامحين بكسر عزلتهم بأي ثمن، وتلعب أبوظبي دورًا أكبر من الاعتراف الدبلوماسي، يظهر ذلك في استضافة رئيسها محمد عبدالله عرو، الذي حل ضيفًا على القمة العالمية للحكومات 2025 في أول زيارة خارجية له، وأشاد عرو خلال مشاركته بدور مجموعة موانئ دبي العالمية في تعزيز البنية التحتية الاقتصادية وتحويل ميناء بربرة إلى مركز لوجستي إقليمي استراتيجي يربط أرض الصومال بدول الجوار.
لا ينفصل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال الانفصالية عن التحركات الإماراتية في اليمن، حيث ترمي أبوظبي بثقلها العسكري لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي والسيطرة على الشريط الساحلي وأجزاء من الجنوب الغنية بالثروات، ما يضع الحوثيين الذين يسيطرون على المناطق الشمالية والعاصمة صنعاء بين فكي كماشة بين الانتقاليين جنوبًا والإسرائليين في الجهة المقابلة بمضيق باب المندب.


