spot_img

ذات صلة

جمع

الفلسطينيون العالقون في مصر بين رعبين: العودة لغزة أو العيش في المجهول

منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان...

الصوت الذي يشبه الحرية: أم كلثوم كما سمعتها أفريقيا

لم أكن ذاهبا للبحث عن أم كلثوم، كنتُ فقط...

“I have a UNHCR card!” — Adel’s cry, unheard by the deportation vans

Since last December, Egypt’s governorates—most notably Cairo—have witnessed a...

شاهدة على إبادة الفاشر| هاجر عثمان.. قتلوا طفلتي.. وموتنا صار أقرب من النجاة


جلست هاجر إسحاق أمام جثة طفلتها التي ماتت جوعًا أثناء الهروب من الفاشر. كانت الدموع تنهمر من عينيها مثل المطر، وهي تكرر في صمت: “لماذا يصمت العالم وكأن الجوع لا يقتل، وكأن البكاء لا يُسمع؟”.
أثارت سيطرة قوات الدعم السريع العنيفة على مدينة الفاشر في إقليم دارفور، أكتوبر الماضي، غضبًا دوليًا ومخاوف سودانية. تكشف الصورة التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمدينة مدى الرعب الذي عاشه المدنيون في الساعات الأولى للاقتحام، مع عمليات إعدام جماعية للمدنيين، بما فيهم نساء وأطفال، وكأنهم عدو. حاولت الأمهات والآباء حماية أطفالهم بأجسادهم، بالتصدي لرصاصات المتمردين المسلحين المتعطشين للدماء، قبل أن يلقى الأطفال المصير نفسه.
أظهر تحليل لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل – يستخدم صور الأقمار الصناعية – فظائع لا توصف، بين قتل الرجال والمدنيين واغتصاب النساء، وإعدامات جماعية لمدنيين تم تجميعهم مثل الخراف في مواقع ذبح، ثم دفنهم في مقابر جماعية. بعد الكارثة في تلك الليلة، كانت الفاشر مدينة أشباح، لا صوت يعلو فوق صوت الموت، وكانت الجثث ملقاة في الشوارع، والدم يسيل مثل النهر. كان الناس يهربون من الموت، لكنه كان يهرول خلفهم.
حسب الإحصائيات الرسمية، مات 239 طفلًا جوعا جراء حصار المليشيات الذي امتد لما يقرب من 500 يوم. ونتج عن سقوط المدينة عملية انتقام واسعة ضد الأهالي، ورجحت مصادر أن عدد القتلى بين المدنيين وصل إلى عشرات الآلاف، مع غياب فرق التحقيق وسعي المليشيات لطمس الأدلة.
تقول نمارق إبراهيم لـ “أصوات إفريقية”: “كانت الأجساد مليئة بالجروح تُنقل على ‘درداقات’ – عربات صغيرة – بدل عربات الإسعاف، والجروح يُربط عليها بقطع قماش فقط، وألم مكتوم، لأن حتى الأنين صار رفاهية في أرض تعبت من الموت”.
يتصيد الأهالي أخبار ذويهم مثل إبرة في كومة قش. بعض الأسر فقدت الأمل في عودة أزواجها أو أطفالها، مع هول ما رأوه من عمليات انتقامية. منهم زينب محمود، زوجة وأم لخمسة أطفال، التي تقول لـ “أصوات إفريقية”: “زوجي تعرض للإصابة في الفخذ داخل مركز إيواء بالتزامن مع توغل قوات الدعم السريع إلى حي ‘أبو شوك الحلة’ في سبتمبر الماضي، قبل إجلاؤهم مع آخرين إلى حي الدرجة الأولى، إلا أن أخباره انقطعت منذ أكتوبر”.
حالة أخرى، وهي منى صالح، التي لا تزال تبحث عن شقيقتها حسنة مع فقدان الأمل، بعد أن انقطعت أخبارها مع سقوط مدينة الفاشر. تقول لـ “أصوات إفريقية”: “كنت أتلقى أخبار شقيقتي من أحد أقربائها في الفاشر، إلا أنه وجد هاتفها في الطريق الرابط بين الفاشر وقرني تزامنا مع فرارهم من المدينة”. ونجحت منى آخيرا في الوصول إلى معسكر للنازحين بعد رحلة طويلة نجت فيها من الموت والاعتداء الجنسي، الأمر الذي تركها في حالة يرثى لها، “حتى الآن، لا أستطيع النوم من هول ما رأيت”.

تحكي هاجر لـ”أصوات إفريقية” متأثرة: “ماتت طفلتي في يدي، ولم أستطع فعل شيء. ماتت وهي تنظر إلي، وكأنها تقول لي: ‘لماذا لم تنقذيني؟”.
بينما تذكر نمارق بأسى تجاهل العالم لهم، وعدم السعي لمساعدتهم، قائلة: “نحن لا نريد سوى العيش بسلام. نريد أن نأكل، أن نشرب، أن نعيش. لكن العالم لا يسمعنا”.

قتل ودهس واصطياد بالمسيرات

وأكد شهود عيان لـ”أصوات إفريقية” أن المدنيين تعرّضوا لإطلاق نار في الشوارع وتمت ملاحقتهم بطائرات مسيّرة، كما وقعت عمليات دهس متعمد بالشاحنات من قبل مليشيا الدعم السريع.
وأكد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المدنيين لا يزالون محاصرين داخل الفاشر “وسط مخاوف من استمرار الإعدامات الميدانية والاغتصاب والعنف”، فيما طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بإجراء تحقيق خاص في الفظائع التي ارتُكبت في الفاشر، وإحالة الأدلة ذات الصلة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى محللون أن مأساة الفاشر لا يمكن للعالم إنكارها، فقد رصدت صور الأقمار الصناعية مؤشرات على وجود مقابر جماعية في عدة مناطق من المدينة.
بالرغم من انقطاع الأنباء عن كل شيء في المدينة، إلا أن الآلاف ما زالوا عالقين هناك ويواجهون أوضاعًا مأساوية، بينهم مرضى وآخرون مصابون جراء القصف المدفعي الأخير الذي سبق انسحاب الجيش السوداني.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن الوضع في الفاشر يتدهور بسرعة، وهناك حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية والحماية الدولية.
ومع تناسي العالم لمدينة الفاشر، هنالك الآلاف ينتظرون. تسألت هاجر إسحاق بحسرة: “هل يمكن أن يتغير شيء؟ هل يمكن أن يسمع العالم صراخ الفاشر الآن؟ ألم يكفِ عدد الموتى ومرور الوقت لإنهاء هذا التجاهل المتعمد؟”.

spot_imgspot_img