spot_img

ذات صلة

جمع

عقدة “المهاجرين في مصر” .. ماذا تريد الدولة حقا؟

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساء، يغرق الشارع...

رحلات غامضة وتصعيد حدودي: هل تحولت إثيوبيا إلى قاعدة خلفية لـ”الدعم السريع”؟

في ظل مشهد سياسي وعسكري معقد تعيشه السودان ومنطقة...

الفلسطينيون العالقون في مصر بين رعبين: العودة لغزة أو العيش في المجهول

منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان...

الاحتجاز في القبو.. سجون على سفن الأثرياء

للوهلة الأولى، يبدو المنظر رائعا، رجال أثرياء نصف عراة، يحتسون البيرة الباردة والكوكتيل على سطح عبارات الركاب في  خلال الرحلات البحرية السياحية في الجزء الشمالي للبحر المتوسط، تلقي الشمس بأشعتها الدافئة بينما يلفح أجسادهم البيضاء الهواء بشيء من الإنعاش. كل شيء يبدو رائعا كنزهة بحرية جميلة. لكن خلف هذا المشهد، رعب قابع في القاع، مخازن مكتظة بعدد كبير من البشر، بينهم أطفال، مقيدون بالسلاسل ومحبوسين في أماكن مظلمة رغما عنهم.

في تحقيق استقصائي نشره موقع “لايت هوس ريبورتس lighthousereports”، في 18 يناير الجاري، تحت عنوان “الاحتجاز في قبو السفينة”، كشف عن سجون سرية داخل سفن خاصة وعبارات سياحية وسفن تجارية، يتم إخفاء فيها طالبي اللجوء، لنقلهم بشكل غير قانوني من إيطاليا إلى اليونان.

سجون سرية داخل السفن

يكشف التحقيق الاستقصائي عن أن طالبي اللجوء، بينهم أطفال، تعرضوا للاحتجاز في سجون غير رسمية، على شكل صناديق معدنية وغرف مظلمة وحمامات، ومخازن سفن الركاب المتجهة من إيطاليا إلى اليونان، في بعض الأحيان لأكثر من يوم واحد.

وتشكل عمليات النقل غير القانونية لطالبي اللجوء إلى اليونان، جزءا من عمليات صد غير قانونية تمارسها السلطات الإيطالية، لمواجهة مسألة الهجرة غير الشرعية.

وفي عام 2014 ، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن إيطاليا أعادت طالبي اللجوء بشكل غير قانوني إلى اليونان بهذه الطريقة، وحرمتهم من فرصة تقديم طلب الحماية. ورغم مرور ثماني سنوات على هذا الحكم، وادعاء السلطات الإيطالية بوقف هذه الممارسة، إلا أنه تم اكتشاف أنها لا تزال مستمرة بقوة.

وحصلتLighthouse Reports ، بالتعاون مع مؤسسات أخرى، على صور فوتوغرافية ومقاطع فيديو إضافة إلى شهادات تبين أن الأشخاص الذين يخاطرون بحياتهم ويعبرون البحر المتوسط عبر سفن تنقلهم إلى موانئ إيطالية في البندقية وأنكونا وباري وبرينديزي على أمل طلب اللجوء، يجدون أنفسهم محرومين من هذه الفرصة.

تبين هذه الوثائق أنه بمجرد وصولهم، يتم احتجازهم على متن سفن، بعضها التي وصلوا عليها، لنقلهم إلى اليونان.

في أول دليل مرئي من نوعه، تم الحصول عليه خلال العديد من الرحلات الصحفية بين إيطاليا واليونان على متن سفن تجارية مملوكة لمجموعة العبّارات اليونانية العملاقAttica Group ، التقط معدو التحقيق صورًا للمواقع التي تُستخدم لاحتجاز طالبي اللجوء على هذه السفن ، وأحيانًا مكبلي الأيدي بالأصفاد المعدنية المربوطة بالرفوف، حيث يتم ترحيلهم بشكل غير قانوني.

وفي أحدى العبارات التي تحمل اسم “أستريون 11″، وجدنا آثار لأشحاص كانوا محبوسين في حمام قديم به مراحيض وعدة استحمام مكسورة، بالإضافة إلى مرتبتين ملقاتين على الأرض. وعلى الحائط، كانت مسجلة اسماء المعتقلين وتواريخ ترحيلهم بلغات مختلفة. وتطابقت اللقطات المصورة -بواسطة كاميرا، صغيرة من خلال ثقب المفتاح-، لهذه المراحيض مع الوصف الذي قدمه طالبوا اللجوء.

وعلى رحلة تجارية أخرى تحمل اسم “سوبر فاست 1″، وضع طالبي اللجوء في صناديق معدنية بسقف شبكي، داخل غرفة الجراج بأحد الطوابق السفلية، الأمر الذي يعني أنها كانت بمثابة جحيم خلال فترة الصيف. وتمكن الصحفيون من زيارة هذه الغرفة والتقاط صورا، والتي تتطابق مع شهادات طالبي اللجوء. ويبدو أن المهاجرين قد كتبوا بعض الكلمات على التراب الملتصق على جسم الصناديق.

وقال أحد طالبي اللجوء الأفغان الذي قال إنه احتجز في هذه الصناديق، “لقد كنا فيما يشبه غرفة صغيرة بطول مترين وعرض 1.2 متر، وليس لديك سوى زجاجة مياه صغيرة وبدون طعام على الإطلاق، وأجبرنا على البقاء في تلك الغرفة الصغيرة داخل السفينة وتقبل الصعوبات“.

وفي العبارة الثالثة التي تحمل اسم “سوبر فاست 2″، يوضع طالبي اللجوء في غرفة الأمتعه. وتمكن طالب لجوء أفغاني من التقاط صور سيلفي تظهروه مقيد اليدين بالأغلال حول أنابيب معدنية. وتمكن أحد الصحفيين من الوصول إلى المكان ومتطابقته بنفس الصورة التي قدمها طالب اللجوء الأفغاني.

وتضمن الأشخاص الذين يتم وضعهم في هذه الغرف، أطفال. وتحقق معدو التحقيق من وجود 3 حالات تم فيها إعادة أطفال دون سن الـ 18 عاما عبر عبارة من إيطاليا إلى اليونان بهذه الطريقة.

وتحدث مراهق أفغاني في سن السابعة عشر، ويسمى بالوش، “لقد أعادوني إلى اليونان على متن قارب بشكل غير قانوني، لم يسألوني على الإطلاق على طلب اللجوء الخاص بي أو أي شيء آخر”.

وإلى جانب الشهادات والأدلة المرئية، حصل معدو التحقيق على تأكيدات من عدد من أفراد طواقم العبارات بأن هذه الأماكن كانت تستخدم لحجز طالبي اللجوء الذين أعيدوا إلى اليونان، واصفين الأماكن المحددة بأنها “سجون. كما أكد خبراء قانونيون ومنظمات غير حكومية النتائج نفسها، موضحين أنهم تلقوا عددا كبيرا من التقارير بشأن هذه الممارسات خلال السنوات الأخيرة.

شرح لمكان احتجاز طالبي اللجوء داخل عبارتي “سوبر فاست 1″ و”سوبر فاست 2”

ممارسات طويلة

تعتمد إيطاليا في عمليات الترحيل القسري لطالبي اللجوء على سند قانوني. فبموجب اتفاقية “إعادة القبول” الثنائية بين الحكومتين الإيطالية واليونانية – والتي كانت سارية منذ عام 1999 على الرغم من عدم تصديق البرلمان الإيطالي عليها – تستطيع إيطاليا إعادة المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا من اليونان إلى البلاد. ومع ذلك، لا ينبغي تطبيق هذا على طالبي اللجوء، وفق نص الاتفاقية.

لكن وجد معدو التحقيق أن طالبي اللجوء من أفغانستان وسوريا والعراق قد تعرضوا لهذه المعاملة في الأشهر الـ 12 الماضية. وأظهرت البيانات التي قدمتها السلطات اليونانية أن مئات الأشخاص قد وقعوا تحت طائلة هذا القانون خلال الأعوام الماضية. ففي 2021، أعيد قسريا 157 شخصا من إيطاليا إلى اليونان، قبل ترحيل 74 آخرين في العام التالي، رغم صعوبة توثيق جميع الحالات.

منذ صدور حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 2014، زعمت إيطاليا مرارًا وتكرارًا توقفها عن هذه الممارسة، مؤكدة أنها دفعت من أجل المراقبة الرسمية لعملياتها الحدودية في الميناء، لوقف مثل هذه الانتهاكات.

غير أن محامية الهجرة الإيطالية إرمينيا رزي أكدت أن عمليات الإعادة القسرية هذه تحدث “بشكل متكرر” موضحة أن طالبي اللجوء، بمن فيهم القصر، “يُمنعون من الوصول إلى الأراضي (الإيطالية)، بإجراءت غير رسمية في انتهاك لجميع القواعد”.

تكشف هذه الممارسات عن صورة أخرى، وهي تواطؤ الاتحاد الأوروبي، بحسب وصف مدير هيومن رايتس ووتش في ألمانيا، فانزيل ميكالسكي، الذي أفاد أن هذه الدلائل تظهر كيف “سمحت أوروبا لنفسها بالتسامح مع هذه الحوادث”.

وفي العام الماضي ، كشف موقع”  Lighthouse Reports وشركاؤها عن وجود “مواقع سوداء” – أماكن احتجاز سرية – يُحرم فيها اللاجئون والمهاجرون من حق طلب اللجوء ويسجنون بشكل غير قانوني قبل إجبارهم على العودة.

spot_imgspot_img