خيّم الصمت على مقهى في هرجيسا خلال أمسية من أمسيات السبعينيات. وجوه متعبة، ونظرات قلقة تتهامس بلغة الخوف من بطش النظام العسكري في مقديشو. فجأة، شق هذا الصمت شاب نحيل، قبض على ورقة مطوية كأنها جمرة، وصدح صوته بأبيات عن الحرية والكرامة. تجمدت الأنفاس، وتحولت الهمسات المترددة إلى عاصفة من التصفيق المكتوم. لم يكن ذلك الشاب سوى محمد حاشي ضمّاق، الذي سيعرفه الناس لاحقاً باسم “غاريي/ Gaarriye”… ضمير الصومال وصوت من لا صوت لهم.
وُلد غاريي في هرجيسا شمال الصومال عام 1949، في مجتمع كانت الكلمة فيه عملة السلطة الحقيقية. فالشعر الشفهي لم يكن مجرد فن، بل “ذاكرة عامة” تحفظ التاريخ وتنسج السمعة وتؤرخ للهزائم والانتصارات، وتُقيم مجالس الصلح كما تُشعل الخصومات. في طفولته، كان يسمع مساجلات البدو كما لو أنها جلسات نيابية مفتوحة: يتقدم فيها صاحب الحجة من فمه، ومن صوره، ومن اتزانه على الوزن والقافية. هناك، عرف أن القصيدة يمكن أن تكون “قانوناً” أو “محاكمة”.
كبر الفتى في حضن هذا التراث، قبل أن يذهب إلى التعليم النظامي. وتشير سيرته إلى أنه تلقى تعليمه في مدينة الشيخ، ثم واصل طريقه إلى الجامعة الوطنية الصومالية في مقديشو، حيث نال درجة البكالوريوس في علم الأحياء عام 1974. كان مساراً علمياً صارماً، لكنه لم يُلغِ الوجه الآخر: شاعرٌ قَلِق يكتب حين ينام الآخرون، ويُحاكم الواقع بما لا تستطيع المعادلات ملامسته.
كان يعيش حياة مزدوجة: في النهار، رجل تعليم وبحث يزن الأشياء بمعايير العلم. وفي الليل، شاعر يزن البشر بمعايير الكرامة. وكأن داخله صوتان: أحدهما عقلاني، والآخر بركاني. في ذلك التوتر نضجت ملامحه الأولى: شاعر لا يهرب من الأسئلة. شاعر يعرف أن الكلمة ليست زينة، بل مسؤولية. وكان يردد في مجالسه أن القول الصادق إذا خرج لا يعود:
“الكلمة إن خرجت… لا تعود،
إن خرجت من القلب… تصير سيفاً لا يُغمد”.

لم يكن المناخ السياسي محايداً. فمع صعود نظام سياد بري وتحوّل الدولة إلى قبضة أمنية، اتسع الخوف وضيقت السلطة هامش الكلام. عندها قرر غاريي أن الصمت ليس نجاة، وأن الحياد تواطؤ ناعم. بدأ شعره أولاً كهمسات في المقاهي وبين الأصدقاء، ثم صار – ببطء – هتافاً يُقال في الظلام. ساعدته طبيعة المجتمع الصومالي الشفهية: القصيدة تُنقل كالأخبار، ثم جاءت أشرطة الكاسيت لتجعلها أسرع من الرقيب؛ تنتقل من سيارة أجرة إلى أخرى، ومن يد إلى يد، حتى صارت بعض عباراته على ألسنة الطلاب والباعة.
تميزت لغته بأنها قريبة من الناس، لكنها ذات طبقتين: معنى مباشر يفهمه الجميع، ورمز أعمق يلتقطه من يبحث عن الإشارة خلف العبارة. وفي لحظة مبكرة، أدرك النظام خطورة شاعر لا يحتاج صحيفة ولا منبراً. فقصيدة واحدة قد تهزّ الشارع أكثر من خطاب.
في أواخر السبعينيات، شارك غاريي في سلسلة المساجلات الشهيرة “Deelley”؛ وهي سلسلة قصائد متتابعة تحولت إلى ساحة معارضة أدبية ضد القمع. وفي هذه السلسلة صعد اسمه كأحد الأصوات الأشد جرأة، حتى صار هدفاً مباشراً. اعتُقل تحت تهم جاهزة من نوع “إثارة الفتنة” أو “التفرقة”؛ التهمة التي كانت تُفصّل لِتُخرس كل صاحب رأي.
لكن المفارقة أن السجن الذي أُريد له أن يكون “نهاية” كان بداية أسطورة جديدة. خلف القضبان، لم يسكت. كتب على قصاصات ورق، وعلب سجائر، وكل ما يمكن تهريبه. تحولت الزنزانة إلى ورشة شعر، والسجناء إلى جمهور. وفي أجواء الخوف، خرجت أبيات تُتداول كأنها رسالة تهريب من ضمير البلاد:
“الحرية ليست بوابة يُغلقها الحراس،
الحرية شجرة… جذورها في القلب،
لا تُقتلع ولو حاصرها الحديد”.
بعد الإفراج عنه، كان الاستقبال الشعبي مختلفاً: شاعرٌ خرج من السجن أكثر قوة. لكنه لم يُحوّل التجربة إلى بطولة شخصية بقدر ما جعلها شهادة. ومع انهيار الدولة واندلاع الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات، واجه غاريي اختباراً أصعب: لم يعد الخصم مجرد نظام، بل “الانقسام” نفسه. حين صار السلاح لغة يومية، قرر أن يجعل الشعر لغة نقيضة: لغة المصالحة.
في هذه السنوات، كتب ضد العصبيات، وحذّر من وهم أن القبيلة يمكن أن تكون وطناً، ورفع فكرة الهوية الجامعة. لم يكن يساير أمراء الحرب ولا يزين الانقسام ببلاغة رومانسية؛ كان واضحاً وحاداً، حتى في استعاراته. ومن أشهر ما ارتبط بنبرته في مواجهة القبلية هذا المعنى الذي صار يتردد كثيراً:
“القبيلة قميصٌ ضيق… يخنق من يرتديه،
أما الوطن… فعباءةٌ تتسع للجميع”.
كما ارتبط اسمه بنصوص أصبحت علامات في الشعر الصومالي الحديث، مثل “Fad Galbeed” (1978)، وبقصائد ذات طابع مصالحة مثل “Hagarlaawe” التي تُقرأ بوصفها واحدة من أقوى نصوصه في الدعوة إلى إصلاح المجتمع من الداخل.
لم يكن غاريي “متمرداً سياسياً” فقط؛ كان مثقفاً يرى الشعر وظيفة اجتماعية. يملك حساً نقدياً تجاه السلطة، لكنه يملك أيضاً حساً أخلاقياً تجاه الناس. لذلك ظل حضوره قائماً: في الذاكرة، وفي التسجيلات القديمة، وفي وجدان جمهور رأى فيه لسانه حين عجزت الألسنة.
في 30 سبتمبر 2012، توقفت حياة غاريي في النرويج بعد صراع مع المرض، لكن صوته لم يتوقف. رحل الجسد وبقي الأثر: قصائد تُستعاد كلما ضاق المجال العام، وكلما احتاج الناس “من يُذكّرهم” بأن الحرية ليست شعاراً بل ممارسة، وأن الوطن لا يُبنى بالخوف.
غاريي لم يكن مجرد شاعر بارع.. كان ضميراً عاماً. وفي بلاد تقاس فيها الهيمنة أحياناً بالقدرة على إسكات الكلام، انتصر بطريقته الوحيدة: أن يقول الحقيقة شعراً.. ويتركها تمشي وحدها في الشوارع.


