spot_img

ذات صلة

جمع

جحيم المهاجرين في ليبيا.. “قوارب الموت” أكثر إنسانية من البشر

"رحلتي في ليبيا كانت جحيمًا، واجهت خلالها كل أصناف...

تفكيك الخطاب العدائي ضد الأجانب في مصر.. حين تصبح الكلمة سلاحاً فاتكا

قديمًا، قبل أن تشهر السيوف، كانت الحروب تبدأ بكلمة،...

تونس والمهاجرون الأفارقة: حين يصنع الخطاب السياسي مناخًا طاردًا للآخر

في الثاني عشر من أبريل الماضي، شارك بضعُ مئاتٍ...

Egypt’s Migrant Dilemma: What Does the State Really Want?

At eleven o’clock at night, the Hadayek el-Ahram district...

عبد الله.. الشبح في كواليس محاضن التاليبيه: مأساة طفل نسيه العالم في السنغال

داكار – في الساعة الخامسة صباحًا، حين لا تزال شوارع العاصمة السنغالية غارقة في عتمة الفجر، يخرج عبد الله إلى الشارع. لا توقظه منبهات الهواتف المحمولة، ولا حنان أم تعد له إفطارًا دافئًا. يستيقظ لأن وعاءه البلاستيكي الصغير يجب أن يمتلئ قبل غروب الشمس. 

يخطو بقدمين حافيتين على أسفلت داكار البارد، يمد يده للغرباء، ويجمع ما تيسّر ليعود به إلى شيخه. هذه دورة حياته منذ أن اقتيد عبر طريق صحراوية من مالي، ليصل إلى السنغال وهو في الرابعة من عمره؛ لكن المأساة الحقيقية هي أنه “غير موجود” قانونيًا؛ فلا شهادة ميلاد ولا بطاقة هوية. في نظر القانون، عبد الله طيف يعبر الحياة دون أثر.

“كُتّاب” القرية الذي تحول إلى فخ

تُعرف المدارس القرآنية التقليدية في السنغال ودول غرب إفريقيا بـ”الدارات” (Daaras)، ويُطلق على طلابها اسم “الطلبة” أو “التاليبيه” (Talibés)، وهي تشبه “الكُتّاب” في الريف المصري؛ إذ يأتمن القرويون “المرابط” (شيخ الطريقة) على أبنائهم لتعلم القرآن وأصول دينهم، عسى أن يعودوا يومًا ما كحملة لواء العلم والبركة في مجتمعاتهم.

أطفال “التاليبيه” يحملون ألواحهم الخشبية خلال درس بإحدى المدارس القرآنية في السنغال؛ تفيد منظمة العفو الدولية بأن العديد منهم يواجهون ظروفًا معيشية قاسية ومخاطر يومية. (المصدر: أسوشيتد برس)

أرسلت عائلة عبد الله طفلها من قرية نائية في مالي إلى السنغال مدفوعة بهذا الأمل وحاجة العيش، دون أن تدري أن واقع “الدارة” في زوايا داكار وطوبا يختلف تمامًا عما رسمته في مخيلتها، ففي هذه المدن، تصدّر جني المال المشهد بدلاً من التعليم، وتحول الطفل إلى مجرد وسيلة في ماكينة “تجارة التوسل”.

في محاولة لفهم هذا المنطق من الداخل، تحدث لـ”أصوات أفريقية” أحد المشرفين على دارة في ضواحي داكار، (رفض ذكر اسمه) والذي قدّم تبريرًا لهذا الوضع قائلاً: “نحن لا نلقي بهم في الشارع عبثًا، بل نعلمهم كسر النفس والتواضع. خروج الطفل بوعائه هو جزء من تربية تجعله يشعر بحاجة الفقير قبل أن يصبح عالمًا”.

لكن هذا “الإنكار” يصطدم بلغة الأرقام الصارمة؛ ففي تقرير حديث نشره “مركز بيركلي للأديان والسلام” (جامعة جورج تاون) في أبريل 2026 – وهو جهة بحثية مرموقة ترصد تقاطع الدين مع القضايا الإنسانية – كشفت البيانات أن أكثر من 100 ألف طفل في السنغال وحدها يعيشون تحت وطأة هذا النظام، حيث يقضون يومهم في مواجهة قسوة الشوارع بعيدًا عن الغرض الأصلي لوجودهم هناك. 

وتكتمل الصورة القاتمة بما رصدته منظمة العفو الدولية، فقد أشارت في تقاريرها إلى أن نحو 25% من هؤلاء الأطفال يقعون ضحية لـ”التسول القسري”، وهو مصطلح قانوني يصف تحويل الطفل إلى مورد مالي يومي لشيخه تحت التهديد.

تسعيرة البقاء تحت رحمة السوط

يتحول التسول في “الدارات” إلى التزام يومي صارم يُشبه الضريبة الإجبارية، حيث يُطالب كل طفل بتسليم “غلة” محددة لشيخه قبل نهاية اليوم. تبلغ هذه التسعيرة نحو 400 إلى 450 فرنكًا غرب أفريقي (أقل من دولار واحد)، بالإضافة إلى حصص من الأرز والسكر. ورغم أن المبلغ قد يبدو ضئيلاً، إلا أن جمعه من المارة في شوارع داكار المزدحمة يتطلب ساعات طويلة من الوقوف تحت الشمس أو الركض خلف السيارات.

وفي حال فشل الطفل في تأمين هذا المبلغ، تظهر القسوة في أبشع صورها؛ فالإجابة على نقص “الديون اليومية” تأتي غالبًا موثقة بالألم؛ إذ تتبعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” هذه الانتهاكات الميدانية الممتدة، في تقريرها الذي حمل عنوان “على ظهر الأطفال” (Off the Backs of the Children)، موثقةً حالات ضرب مبرح بالأسلاك الكهربائية والعصي، ووصول الأمر في بعض الزوايا إلى التقييد بالسلاسل لمنع الصغار من الهرب.

بأوعية معدنية في أيديهم، يجوب أطفال “التاليبيه” شوارع السنغال بحثًا عن المال والطعام. (المصدر: هيومن رايتس ووتش)

تلخص كورين دوفكا، الباحثة السابقة في المنظمة، المأساة بقولها لـ”أصوات إفريقية”: “حين يتحول وعاء الطفل الصغير إلى مصدر رزق لغيره، ويصبح الخوف من العقاب جزءًا من يومه، فإننا نكون أمام نسخة معاصرة من العبودية الحديثة، لا أمام تجربة للتعليم الديني”.

عاش عبد الله تلك الأيام في حالة من الخوف الدائم؛ كان يعود إلى الدارة وهو يخبئ ما جمعه من قروش قليلة في يده، ويحسب ألف حساب للحظة المواجهة. وفي كثير من الأحيان، كان يفضل المبيت في الشارع والتحاف أرصفة داكار الباردة على العودة لمواجهة غضب شيخه إن كانت الغلة ناقصة.

هذه القروش القليلة التي يرتجف عبد الله خوفاً من نقصها، تتحول في كواليس المنظومة إلى اقتصاد موازٍ يقع تحت طائلة الرقابة الدولية؛ ففي تقريرها الشامل والأحدث بعنوان “هؤلاء الأطفال مكانهم ليس الشوارع” (These Children Don’t Belong in the Streets)، كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” كيف تذهب هذه الأموال لتمويل الحياة الشخصية وتأمين الرفاهية لبعض الشيوخ بدلاً من رعاية الأطفال وتأهيلهم.

هذا التوظيف المالي المنظم ودورات جمع الأموال اليومية القسرية، هو ما دفع مكتب الأمم المتحدة إلى التدخل عبر وثيقته التوجيهية الصادرة بعنوان “خبرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تدعم السنغال لمنع والتحقيق في قضايا الاتجار بالبشر” (UNODC Expertise Supports Senegal to Prevent and Investigate Human Trafficking Cases)، والتي وضعت الممارسة برمتها تحت التوصيف القانوني الدقيق كأحد أشكال الاتجار بالبشر والاستغلال الشبيه بالعبودية، مما يمنح مأساة عبد الله بُعدًا جنائيًا دوليًا يتجاوز حدود المعاناة الفردية.

الدولة تصمت والشيخ يأمر.. صراع القوانين والولاءات

الرئيس السنغالي السابق ماكي سال خلال لقاء مع الخليفة العام للطريقة المريدية، في مشهد يعكس الثقل الديني والسياسي للطريقة المريدية وتأثيرها الواسع في المجتمع السنغالي. (المصدر: وكالة الأنباء الفرنسية)

قد يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: أين السلطة السنغالية من هذه المشاهد اليومية؟ ولماذا لا يتحرك القانون لحماية آلاف الأطفال؟ الإجابة تكمن في التشابك العميق بين مؤسسات الدولة وبين الطرق الصوفية الكبرى، وتحديدًا “المريدية” و”التيجانية”.

تمثل هذه الطرق كيانات ذات نفوذ يتجاوز حدود الزوايا الدينية؛ ففي مواسم الانتخابات، يترقب السياسيون ما يُعرف بـ”النديغل” (Ndigel)، وهو التوجيه المباشر الذي يصدره شيخ الطريقة لأتباعه بدعم مرشح معين. هذا الولاء الروحي يترجم عادة إلى كتلة تصويتية حاسمة، مما خلق “حصانة ضمنية” لشيوخ الدارات، وجعل المساس بنظامهم مغامرة سياسية غير مأمونة العواقب.

ورغم وجود ترسانة قانونية، مثل قانون عام 2005 الذي يجرّم الاتجار بالبشر، إلا أن التنفيذ يظل معلقًا. يتذكر عبد الله في حديثه لنا كيف احتفى الإعلام في عام 2016 بقرار الرئيس السابق ماكي سال بمنع تسول الأطفال فورًا، ومع ذلك لم يتغير واقعه؛ ففي صباح اليوم التالي، خرج بوعائه كالعادة ومرّ بجانب رجال الشرطة الذين اكتفوا بالمراقبة، في مشهد بدا لعبد الله وكأن نفوذ الزاوية يتقدم على سلطة الدولة.

هذا الجدار غير المرئي هو ما لخصه الناشط الحقوقي السنغالي، مامادو ديالو، لـ “أصوات أفريقية” حين قال: “القانون موجود في المكاتب، لكن في الشارع هناك قداسة تمنع الشرطي من دخول الزاوية. نحن نحارب ثقافة متجذرة تعتقد أن المساس بالشيخ هو مساس بالبركة، وهذا هو الجدار الذي تتحطم عليه وعود التغيير السياسي كل مرة”.

حتى مع وصول الإدارة الجديدة في 2026 بقيادة الرئيس الشاب باسيرو ديوماي فاي، تظل المعضلة قائمة. فالتغيير الجذري الذي وعدت به الإدارة يصطدم بما وصفه تقرير “مركز بيركلي” بـ “التسامح الاجتماعي” الواسع مع الممارسات المرتبطة بالدين، وهو ما يحد من القدرة على المساءلة ويسمح باستمرار الاستغلال تحت غطاء التعليم، فالقوانين تُصاغ لتلائم المعايير الدولية، لكن نفوذ الشيوخ وصمتهم يظلان القوة الحقيقية التي لم تنجح أي إدارة في تجاوزها حتى الآن.

في الخامسة عشرة.. قرار الهروب إلى المجهول

طفل من “التاليبيه” يقف وحيدًا في أحد شوارع السنغال؛ وهي صورة تجسد واقع أطفال مثل عبد الله، الذين يهربون من “الدارات” ليجدوا أنفسهم عالقين بين الفقر وفقدان الهوية وغياب أي اعتراف قانوني بوجودهم. (المصدر: رويترز)

عند بلوغه الخامسة عشرة، وصل عبد الله إلى نقطة النهاية في قدرته على الاحتمال، فاتخذ القرار الأصعب بترك “الدارة” واللجوء إلى الشارع المفتوح. هناك، وضع عبد الله الوعاء البلاستيكي جانبًا إلى الأبد؛ لم يعد يمد يده للمارة مجبرًا لحساب الشيخ، بل تحول إلى الاعتماد على عضلاته، مستبدلاً غلة التسول بكسرة خبز يشتريها من عرق جبينه كشيال في الأسواق.

يصف تلك اللحظة الفاصلة بمرارة لـ”أصوات أفريقية”: “كان قراري بالهرب نابعًا من ألم جسدي لم يعد ظهري يطيقه تحت وطأة الأسلاك الكهربائية، لا كراهية في الدين. في الشارع كنت أضطر للسرقة أحيانًا لأبقى حيًا، لكنني أصبحت أخيرًا سيد قراري”.

لكن هذا الهروب كشف له عن واقع أكثر مرارة؛ إذ وجد نفسه عالقاً في “منطقة عمياء” لا يراها القانون الدولي. فعبد الله، الذي نقلته شبكات التهريب من مالي إلى السنغال بلا شهادة ميلاد أو وثائق عبور، سقط في فجوة التعريفات؛ فلا هو “لاجئ” فر من نزاع مسلح، ولا هو “مهاجر” يملك جنسية يمكن ترحيله إليها، بل ولا حتى “مواطن” تعترف به سجلات السنغال. هو ببساطة إنسان مجهول الهوية، يعيش خارج رادارات الحماية الرسمية.

شبح في الرابعة والعشرين

حين بلغ عبد الله العشرين من عمره، ظهرت فرصة كانت لتبدل مسار حياته؛ إذ عرضت عليه شركة صينية تعمل في قطاع البناء السفر للعمل معها في الخارج. مثلت هذه الفرصة مخرجًا أخيرًا من ضيق العيش وتذكرة لاستقلاله المالي، لكن الحلم توقف عند أول إجراء رسمي. تطلب السفر استخراج جواز سفر، وهو أمر يستحيل تحقيقه دون شهادة ميلاد، وعبد الله لا يملك وثيقة تثبت وجوده سوى اسمه الذي نادته به أمه يوم وُلد في مالي. هكذا، تبخرت الفرصة أمام جدار الأوراق المفقودة.

اليوم، في عام 2026، يبلغ عبد الله من العمر 24 عامًا. إذا قصدت سوق “ساندجا” المزدحم في قلب داكار، حيث تختلط أصوات الباعة بضجيج الحافلات، قد تلمحه يحمل البضائع الثقيلة فوق ظهره مقابل قروش قليلة. 

يختم حديثه بأسى: “أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل أنني حين أرى طائرة في السماء أعرف أنني لن أركبها أبداً.. ليس لأنني فقير، بل لأنني ببساطة لا أملك ورقة تقول للعالم مَن أنا”.

spot_imgspot_img