بضحكة تدل على الانتصار، ومنديل أبيض تلوح به يعكس شرفها الطاهر، طافت فتاة في عمر 16 عاما أرجاء قريتها، السليمانية، بمحافظة الشرقية، بدلتا مصر، محمولة على كتف والدها، بينما يردد مئات الأشخاص حولها، “الشريفة وصلت يا بلد”.
قبل الحادثة بأيام، عاشت الطفلة أوقاتا عصيبة غير مناسبة لعمرها. تم تزويجها قصرا لشاب في القرية. وفي ليلة الزفاف، أشاع أنها غير عذراء. اتهام صادم قد يقضي على حياتها، ويجعل أسرتها في عار دائم في القرية – تحت نير “قيم المجتمع” – أمام الاتهام، قرر والدها أخذها لطبيب شرعي للكشف عن عذريتها، وهو ما أثبته الطبيب.
في عيون الطفلة ووالدها، لقد تحقق الانتصار، وعليهما إثباته لجميع أهالي القرية، قرر والدها الطواف بها في جميع الشوارع حتى يعلم الجميع أن أبنته “شريفة” ولم يلمسها أحد. تداول ناشطون الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي شاهده أكثر من مليون شخص، ليحدث صدمة واسعة في البلاد.
الواقعة أحدثت نقاشا واسعا بشأن زواج القاصرات في مصر، لاسيما بين منظمات المجتمع المدني المختصة بحقوق المرأة. ورغم التحذيرات الواسعة ووجود قانون يحظرها، ما تزال هذه الظاهرة تلقى انتشارا واسعا في مصر، خاصة في الريف.
استفحال الظاهرة
غم تبني مصر قانونا في عام 2008، يجرم زواج القاصرات تحت سن 18 عاما، وإطلاقها مؤخرا حملة إعلامية واسعة لمكافحة الظاهرة، ما تزال منتشرة حتى الآن. تكشف أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري استفحال الظاهرة داخل البلاد. خلال عام 2021 فقط، ما يقرب من 118 ألف فتاة تزوجن في البلاد بين عمر 10 و17 عاما، لاسيما في المناطق الريفية، ليشكلن 14% من جميع حالات الزواج المسجلة في نفس العام.

تقول انتصار السعيد، رئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون لـ”أصوات إفريقية”، “العديد من الفتيات يتم اعتبارهن حملا على الأسرة، وأن مستقبلهن يجب يكون في منزل أزواجهن”، قبل أن تضيف، “في القرى، أي فتاة تبلغ من العمر 18 عاما دون زواج، تثير قلق أسرتها، التي تعمل جاهدة على تزويجها بأسرع وقت خوفا انضمامها لطابور العنوسة”.
يحدث زواج القاصرات بانخراط غير مباشر من الدولة، جراء عدم تشديد القوانين الرادعة ووجود ثغرات قانونية.
تشرح رئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون: “الزواج في مصر ديني، وينفذه مأذونون مكلفون من الدولة بعقد القران، قبل تسليم عقود الزواج إلى السلطات لتوثيقها”.
يحاول المأذون الإفلات من القوانين، عبر كتابة عقود الزواج، وانتظار بلوغ الفتيات السن القانونية من أجل تسجيل الزواج، ولكن ما الذي يحدث حينما تكتشف السلطات هذا التلاعب؟ يظل المتهمون – سواء المأذون أو أفراد الأسرة من دون عقاب – بحسب انتصار السعيد، موضحة، “القانون الحالي المتعلق بالزواج يساهم في تفاقم الظاهرة، فحتى لو اكتشفت الدولة زواج القاصرات، يجد المتهمون أنفسهم أمام عقوبة بين السجن لأقل من عامين أو دفع غرامة 300 جنيه (11 دولار)، وبالتالي الجميع يدفع هذه الغرامة الصغيرة دون عناء”.
كابوس “التوثيق” وأبناء غير معترف بهم
في إحدى قرى محافظة بني سويف، جنوبي القاهرة، وجدت إيمان نفسها بين ليلة وضحاها متزوجة رغم أن عمرها 15 عاما. بعد ليلة سمر بين والدها وصديقه، اتفق الاثنين على تزويج إيمان من نجل الآخر، رغم عمرها الصغير.
إيمان مثل غيرها من الفتيات في القرية، أغلبهن يتزوج دون الثمانية عشر من العمر. هنا، تشعر الأسرة بالعار حينما تصل الفتاة إلى عمر 20 عاما دون أن يتقدم أحد لزواجها.
غير أن هذا الزواج له تداعيات مدمرة على الأطفال. بعد الزواج بعام وضعت إيمان طفلتها، نرمين. وحتى الآن، لم يتم تسجيل الطفلة كمولودة لدى الدولة، لغياب توثيق الزواج، الأمر الذي يحرم نرمين من تلقي التطعيمات اللازمة، خاصة ضد شلل الأطفال، وأي فرصة للتعليم، حتى يتم إثبات ميلادها.
ولكن بالنسبة لأخريات، قد يتحول الوضع إلى كابوس، ففي بعض الأحيان، يرفض الآباء الاعتراف بأطفالهم المولودين جراء زواج القاصرات غير المسجل، وأيضا قد يتعرض الآباء للوفاة.
العام الماضي، شهدت إحدى القرى جدلا واسعا، بعد رفض أب لطفل ناتج عن زواج القاصرات الاعتراف بالزيجة والطفل، حينما بلغت زوجته السن القانونية، وما تزال تكافح أسرة زوجته بين أروقة المحاكم للحصول على حكم بإثبات الزواج وبنوة الطفل.
تكشف جمعيات حقوقية عن أن أكثر من 15 ألف فتاة يرفعن دعوات أمام القضاء في الوقت الحالي، لإثبات بنوة أطفالهن، في ظل رفض الآباء الاعتراف بهم.
وبعيدا عن ذلك، يفاقم زواج القاصرات العديد من المشكلات في مصر، أهمها غياب الاستقرار الأسري، وارتفاع معدلات الفقر، بالإضافة إلى الزيادة السكانية.
تبين انتصار السعيد: “زواج القاصرات يدفع الفتيات إلى ترك التعليم، وفي غالبية الأحيان، تصبح الفتيات حاملات في سن صغيرة، بينما لم يكن يعتدن على المسؤولية والحياة الجديدة، وهو ما يؤدي بدوره إلى وقوع مشاكل أسرية متكررة في كثير من الأحيان، لينتهي الأمر بالطلاق، وتجد الفتاة نفسها طفلة مطلقة مسؤولة عن طفل رضيع”.
بالإضافة إلى ذلك، يقود الزواج المبكر إلى زيادة المدة العمرية للإنجاب للفتيات، ما يفاقم من مشكلة الزيادة السكانية، كما يضع الزوجين في مسؤولية مبكرة غير مستعدين لها، ليزيد من معدلات الفقر.
وفي أبريل الماضي، قدمت نائبة برلمانية مشروع جديد لتغليظ العقوبة على القاصرات. وبحسب المشروع الجديد، يواجه المتهمون المنخرطون في عملية الزواج أحكام بالسجن حتى 5 سنوات وغرامة 500 ألف جنيه (ما يزيد عن 16 ألف دولار). لكن القانون لم يتم تبنيه حتى الآن.


