كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحًا حين استيقظت في فناء بيتنا في باندياغارا. المدينة التي عرفناها يومًا كوجهة للسياح القادمين لرؤية منحدر باندياغارا وبلاد الدوغون لم تعد تشبه صورتها القديمة. الحياة التي كانت تضجّ بالزائرين والخيم البسيطة والمخيمات الليلية انقلبت إلى مشاهد من خيام بيضاء لجموع النازحين، أولئك الذين فرّوا من قراهم هربًا من تهديد إرهابي يتوسع بلا توقف، اختفت سيارات الدفع الرباعي المخصّصة للسياح وحلّ مكانها تعب الوافدين الجدد الذين يقطعون الطرق الوعرة مشيًا للوصول إلى المدينة طلبًا للأمان.
في ذلك الفجر، كانت جدتي مستيقظة كعادتها. تتحرك في الفناء، تشعل النار، وتُسخّن الماء قبل الصلاة. امرأة تحمل إيمانًا راسخًا وحجّت إلى مكة، وهي مكانة تمنحها احترامًا واسعًا في محيطها. كانت تتابع عبر الراديو أخبارًا باتت مألوفة إلى حد الفجيعة: صهاريج وقود محترقة، قرى تفرّ بأكملها، وإذاعة محلية تطلق نداءً جديدًا للتضامن.
بدأت الجماعات المسلحة منذ 2022 في إحراق شاحنات الإمداد على الطرق التي تربط باندياغارا ببقية مقاطعة موبتي، ما تسبّب في شح حاد للوقود والمواد الغذائية. وفي إحدى الهجمات، أحرقت جماعات تابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أكثر من 20 صهريجًا خلال أشهر قليلة، وفق تقارير بعثة الأمم المتحدة السابقة في مالي.
حتى نهاية عام 2024، نزح نحو نصف مليون شخص من وسط وشمال مالي، بحسب تقارير الأمم المتحدة، غالبيتهم من مناطق موبتي وباندياغارا وتمبكتو، تاركين القرى مهجورة أو في مناطق تشهد اشتباكات مستمرة.
حين فرغت من وضوئي ونظرت إليها، كانت تهز رأسها بحزن خفيف قبل أن تسألني: «من هؤلاء الذين يفعلون بنا هذا؟» أجبتها بأن الأمر يتعلق بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وبزعيمها إياد أغ غالي. وما إن سمعت الاسم حتى انتصبت في مكانها، وبدت عليها الدهشة، ثم سألت باستنكار: «ومن يكون هذا إياد؟».

رجل النظارة السوداء
أخرجت هاتفي وعرّفتها عليه بالصورة: رجل بنظارة سوداء، وعمامة، يستند إلى خيمة، وخلفه ألوان الصحراء. سألتني: «هل هو مسلم؟» قلت لها إنني أظن ذلك، وإنه ماليّ قبل أي شيء، لكنه لم يكن دائمًا ذلك القائد المسلح الذي يحرق مخازن المدينة، ويمنع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، ويترك الناس بلا كرامة.
لم تقتصر أفعال الجماعات المسلحة على إحراق المخازن وحصار السكان، بل أدت منذ 2015 إلى إغلاق أكثر من 1,700 مدرسة، محرمةً على أكثر من نصف مليون طفل فرصة التعليم، في واحدة من أكبر الأزمات التعليمية في غرب إفريقيا.
استمعت بتركيز، فواصلت حديثي: في التسعينيات كان إياد يقود تمرد الطوارق بصفته الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير أزواد. تفاجأت وسألت: «يعني قصة الأزواد قديمة؟» قلت إن جذورها أقدم مما نتصور. فالصراع في الشمال يعود إلى ستينيات القرن الماضي، وتجدّد في 1990 و2006 و2012، حيث كانت مطالب الحركة الوطنية لتحرير أزواد ترتكز على التهميش السياسي وضعف التنمية.
وبعد تلك المرحلة، أصبح إياد وسيطًا في مفاوضات الرهائن الغربيين في سنوات الألفين، وكانت جهات الاختطاف وقتها جماعات تابعة للقاعدة في بلاد المغرب، التنظيم االذي يرتبط به الآن عبر تحالف “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” الإرهابي.
السعودية والتحول في فكر إياد
هزّت جدتي رأسها بامتعاض وهي تكرر عبارتها التي طالما استخدمتها لتحذير أحفادها: «زعيم عصابة، إذا هو زعيم عصابة.» واصلتُ الحديث: شارك في تمرد عام 2006، ثم عاد لاحقًا إلى موقع رسمي، وعمل دبلوماسيًا في القنصلية المالية في السعودية بين 2008 و2010، وهناك يُقال إنه اقترب أكثر من الفكر السلفي.
والأزواد – شمال مالي – هو الإقليم الذي أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلاله من طرف واحد في 6 أبريل 2012، عقب ما عرف بـ”ثورة الطوارق الرابعة”، لكن هذا الإعلان لم يحظ بأي اعتراف دولي، لأن الأمم المتحدة تؤكد أن حق تقرير المصير لا ينطبق على الحالات التي تُستخدم فيها القوّة أو الجماعات المسلحة غير الشرعية.
تساءلت الجدة: «كيف يتحول متمردون قالوا إنهم يدافعون عن الأزواد إلى إرهابيين؟» أجبتها بأن كثيرين يربطون هذا التحوّل بفترة وجوده في السعودية، وبظهور جماعات جهادية مثل القاعدة في المغرب الإسلامي، وأن إياد منذ ذلك الوقت أصبح جزءًا من مسار مختلف تمامًا.
سألت بصوت منخفض: «أين يوجد إياد الآن؟» أجبتها أن هذا هو السؤال الذي يساوي خمسة ملايين دولار، قيمة المكافأة الأميركية لمن يدلي بمعلومات عنه. فهو مطلوب لدوره في جرائم وقعت بين 2012 و2013 في تمبكتو وأغلهوك، عندما كان يقود جماعة أنصار الدين.
ووفق وثائق المحكمة الجنائية الدولية، يُتهم إياد بالضلوع في عمليات اغتصاب وعنف جنسي، وتعذيب، واضطهاد ديني وجندري، وهجمات على مواقع دينية، واحتجاز غير قانوني، وإعدام أكثر من 40 جنديًا في أغلهوك.
نظرت إليّ جدتي بدهشة لا تخلو من ألم وسألت: «مع كل الجيوش الدولية… لم يستطيعوا العثور عليه؟» قلت لها: لا. فبعثة الأمم المتحدة التي عملت في مالي لعقد كامل انسحبت في 2023 بعد أن قُتل أكثر من 309 من أفرادها، وهو رقم يجعلها إحدى أكثر مهمات الأمم المتحدة دموية في التاريخ.
ردّت بقلق واضح: «هذا خطير.» أخبرتها أنه كان يعيش سابقًا في باماكو مع أسرته. فتنهدت بعمق وقالت: «هل يخاف الله؟ لن يكون والداه فخورَين به. كيف يفعل ماليّ هذا بأهله؟ الناس تُقتل وتُعذّب، القرى تُحرق، والنساء يتعرضن للاغتصاب…».
ومنذ 2019، أسفرت الهجمات عن مقتل أكثر من 2,000 مدني في وسط مالي وحده، مع احتراق قرى بأكملها، منها أوغوسّاغو وسوباني دا وأناكانا، فيما فقد آخرون حياتهم بسبب الألغام والكمائن والميليشيات المسلحة. قالت أخيرًا: «لا نعرف حتى ماذا يريدون…» ثم صمتت فجأة، جمعت سجادة صلاتها، ودخلت غرفتها.
مع شروق الشمس، خرجت بدراجتي وبجالون وقود سعته عشرون لترًا لألتحق بالصف الطويل أمام محطة البنزين. ومنذ أن بدأت الجماعات في إحراق صهاريج الإمداد المتجهة إلى المدينة، باتت القوافل العسكرية ترافقها، وصار الحصول على الوقود مهمة تُشبه الوقوف على أبواب النجاة. وفي الطريق، ظل سؤال واحد يتردد في رأسي بلا توقف: كيف وصلنا إلى هنا؟


