سقطت في ليبيا، ظهر الثلاثاء الماضي، آخر ورقة في شجرة زعيمها السابق، العقيد معمر القذافي، بإعلان مقتل نجله سيف الإسلام، الذي قرر البقاء داخل البلاد رغم سقوط نظام حكم والده ومقتله برفقة شقيقه المعتصم في أحداث ثورة فبراير 2011.
“اغتيال غامض”
سيف الإسلام، أعلن اغتياله “الغامض” ظهر الثلاثاء الماضي، من أطراف مرتبطة به مقيمة خارج البلاد، مبينة أنه قتل في استراحته بالزنتان، الموجود بها منذ أكثر من 15 عامًا “سجينًا” و”طليقًا”، ومن المقرر دفنه، اليوم الجمعة، في مدينة بني وليد.
مدينة الزنتان التي قتل فيه نجل القذافي تقع وسط قمم جبل “نفوسة”، وتبعد عن العاصمة طرابلس نحو 150 كيلو متر، وتتمتع بطبيعة خاصة فالمنطقة ضيقة وصغيرة، ومأهولة بالسكان، ما يصعب مهمة الاغتيال التي جرت سريعًا دون ضجيج “يذكر”.
وفق الفريق السياسي -التابع لسيف الإسلام- فقد اقتحم 4 ملثمين استراحته أولًا ثم قاموا بإطفاء كاميرات المراقبة، ومهاجمته ليشتبك معهم قبل أن يردوه هم قتيلًا بعدة رصاصات، ثم لاذوا بالفرار.
دعم تلك الرواية بيان النائب العام الليبي الذي صدر في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي للواقعة، مشيرًا إلى أن “المجني عليه تعرض لأعيرة نارية أصابته في مقتل”، دون كشف أي تفاصيل أخرى سواء المتعلقة بوجود قتلى أو مصابين آخرين في الواقعة، أو عدد المهاجمين.
وكشفت وسائل إعلام إنه جرى اشتباكات لم تسفر عن قتلى أخرين، بين حرس سيف من أفراد كتيبة أبوبكر الصديق، التي كانت مسؤولة عن سجنه بعد أحداث الثورة الليبية، وأيضًا حمايته بعد إطلاق سراحه في عام 2017.
“روايات لم تنته”.. وصمت حكومي
وتعددت روايات جريمة الاغتيال، منها أن المهاجمين ينتمون إلى اللواء 444 قتال بإمرة محمود حمزة، المحسوب على حكومة الوحدة الوطنية -المعترف بها دوليًا-، والذي أصدر بيانًا عاجلًا نافيًا تبعية أي قوة عسكرية أو وجود انتشار ميداني له داخل الزنتان أو في نطاقها، مشددًا على أنه غير معني بما جرى هناك أو تربطه أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بالاشتباكات التي تحدث هناك.
وتحدثت رواية أخرى، رددها مناهضون لقوات خليفة حفتر، المسيطر على شرق وجنوب ليبيا، بأن قاتلي سيف يتبعون ما يمسى بـ”قوات النخبة” التابعة لصدام حفتر، وهو ما لم يصدر نفي له، لكن “القيادة العامة” لقوات حفتر أصدرت بيان تعزية لأسرة القذافي وقبيلته، واصفة إياهم بـ”الكرام”.
ورغم مسؤولية حكومة الوحدة “الأمنية” عن المنطقة إلا أنها بقيت يومين محافظة على “صمتها”، حتى أدان رئيسها “يوم الخميس” جريمة الاغتيال، مشددًا على أن الدم الليبي “خط أحمر”، وأعلن وزير داخليته، عماد الطرابلسي، بعدها، إصداره تعليمات “سرية” إلى الجهات المختصة بالوزارة بالتعاون مع مكتب النائب العام لمتابعة الواقعة، وكشف ملابساتها وضبط مرتكبيها.
حفتر يعزي.. و”جنازة بشروط”
وكشفت وسائل إعلام تابعة لحفتر على لسان مصدر بـ”القيادة العامة” -لم تسمه- عن تلقي طب من أسرة القذافي بدفنه في حي أبوهادي جنوب سرت، مشيرًا إلى أن القيادة العامة لا تمانع ذلك وأعطت تعليمات للجهات المختصة بتسهيل إجراء الدفن والعزاء، قبل أن يعلن دفنه في مدينة بني وليد معقل قبيلة “ورفلة”.
عقيلة بلهوم، رئيس الفريق الإعلامي التابع لـ”سيف”، قال إنه تقرر دفن نجل الزعيم الليبي السابق في سرت، بعد فرض شروط “قاسية”، شملت حظر رفع صورة أو شعارات مرتبطة به، ومنع التعبير العلني حتى عن الحزن.
من يكون سيف الإسلام؟
لم يكن ظهور سيف خلال حياة والده عاديًا، فالابن الثاني للقذافي قدم نفسه “إصلاحيًا” عكس والده “الديكتاتور” ليبدو متناغمًا أكثر مع رسالة الدكتوراه التي حصل عليها من كلية لندن للاقتصاد، والتي جاءت بعنوان “دور المجتمع المدني في ديمقرطة مؤسسات الحوكمة العالمية”.
نجل القذافي والذي تخرج من كلية الهندسة في جامعة الفاتح بطرابلس عام 1994 -قبل أن يحصل على الماجستير من النمسا، والدكتوراه من بريطانيا- عمل فور تخرجه بمركز البحوث الصناعية في طرابلس، وفي عام 1996 بالمكتب الاستشار الوطني، قبل أن يبدأ رحلة “الإصلاح”.
في عام 1998 أنشأ مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية ليبدأ في تقديم نفسه للشعب الليبي بصورة متناقضة تمامًا مع سياسات والده “الديكتاتور”، فتدخل للإفراج عن إسلاميين اتهموا بمحاولة اغتيال والده في تسعينيات القرن الماضي، من خلال جمعية حقوق الإنسان التابعة للمؤسسة.
مشروع توريث “لم يكتمل”
وتصدر سيف المشهد، خلال تلك الفترة بإطلاقه في عام 2003، مشروع “ليبيا الغد” الذي قُدِّم كمحاولة لإعادة صياغة ليبيا من خلال الدعوة إلى تطبيق الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي، والدعوة إلى دستور، وتوسيع هامش الحريات العامة، وإنهاء عزلة ليبيا الدولية.
في تلك الفترة عمدت ليبيا على تغيير صورتها دوليًا لإنهاء عزلتها بعد الهجوم الأمريكي عليها في أعقاب قضية تفجير طائرة “بان أميركان” عام 1988، وكان نجل الزعيم “الإصلاحي” هو صاحب الصورة الأخيرة في تلك المشاهد حينها، لكن في عام 2008 أعلن عدم تدخله في شؤون البلاد.
ومع اندلاع أحداث الربيع العربي، ووصولها إلى ليبيا، لم يجد “الإصلاحي” مفرًا من دعم والده، ليخرج في تصريحات تلفزيونية عديدة مهاجمًا ثوار ليبيا، ومحذرًا من الفوضى والحرب الأهلية، حتى قتل والده وشقيقه في أكتوبر 2011، بمدينة سرت
رحلة ما بعد الثورة.. وجرائم الحرب
بعد مقتل والده ألقت ميليشيا “أبوبكر الصديق”، القبض على سيف في الزنتان بعد اشتباكات في نوفمبر 2011، ورفضت تسليمه إلى السلطة الأمنية المركزية لدواع أمنية، كما رفضت ليبيا تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية لسنوات بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد المتظاهرين.
بقي سيف مسجونًا في الزنتان، وصدر في عام حكم “غيابي” من محكمة طرابلس بإعدامه رميًا بالرصاص عام 2015، لكن في عام 2017 أعلنت ميليشيا أبوبكر الصديق، إطلاق سراحه بعد صدور قانون “العفو عام” من مجلس النواب في ليبيا، لتبدأ رحلة جديدة للقذافي الأبن.
لم يغادر سيف الزنتان، وبقي مقيمًا هناك في حماية “سجانيه”، ليظهر في عام 2021 لأول مرة تقريبًا منذ عقد في سرت معلنًا ترشحه للانتخابات الرئاسية التي لم تجرى حتى الآن، ومنذ حينها أصبح لسيف “حراك سياسي”.
مُعمر يبعث من جديد
وسط الفوضى التي خلفتها “ثورة فبراير” وانتشار المليشيات الأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادي، وجد نجل القذافي موطئ قدم لمشروعه السياسي، والتي لاقت قبولًا بين طائفة لا بأس بها، سواء من مؤيدي النظام السابق، أو عامة الليبيين.
وخلال السنوات القليلة الماضية، علت أسهم القذافي الأب والأبن، حتى أن جماهير كرة القدم هتفت في ملعب طرابلس أكثر من مرة “الله – ليبيا – معمر”، في حضور رئيس حكومة الوحدة الدبيبة، وكذلك في بعض التظاهرات التي تنطلق هناك.
مشروع سيف الإسلام، وجدى صدى خلال الانتخابات البلدية التي جرت خلال العاميين الماضيين، وهو ما أعلنه عبر حسابه بـ”إكس” -قبل حذفه-: “بنصر وتمكين من الله العزيز القدير.. نكتسح وللمرة الثانية على التوالي نتائج الانتخابات البلدية”.
انقسام ليبيا شرقًا وغربًا وعدم قدرة أي نخبة حاكمة على إقناع مواطنيها وتحسين أوضاعهم الأمنية والاقتصادية في البلد الغني بالنفط، بالإضافة إلى فرض الأمن جعل سيف الإسلام رقمًا مهمًا في معادلة الانتخابات الرئاسية المنتظرة.
قبيل اغتيال القذافي بنحو 10 أيام اندلعت مناوشات بين القوى المسيطرة على الوضع في الزنتان فالقوى المحسوبة على “فبراير” كانت راغبة في تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل خروجه من المدينة، إلى أي من المدن الأخرى الداعمة له، ليفاجئ الجميع بإعلان اغتياله يوم الثلاثاء الماضي.
اغتيال سيف الإسلام، لم يكن الأخير مؤخرًا خصوصًا في مناطق سيطرة حكومة الدبيبة فسبق وقتل غنيوة الككلي أحد قادة المليشيات التي كانت محسوبة على قوات الأمن في الغرب، بالإضافة إلى مصرع رئيس أركان القوات الليبية في الغرب، الفريق محمد الحداد، إثر تحطم الطائرة التي كانت تُقلّه رفقة عدد من كبار القادة العسكريين، بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار إيسنبوغا الدولي في تركيا.


