منذ ديسمبر الماضي، تشهد المحافظات المصرية، ولا سيما القاهرة، تصاعدًا حادًا في العمليات الأمنية التي تستهدف المقيمين من الجنسيتين السودانية والسورية. وبحسب منظمات غير حكومية، فإن هذه الحملات التي تهدف إلى “الترحيل الممنهج” أسفرت حتى الآن عن توقيف الآلاف.
“لدي بطاقة المفوضية!”.. صرخة أطلقها الشاب عادل (25 عامًا) وهو يُقاد قسرًا إلى سيارة الترحيلات. لم يكن يتخيل الشاب أن نزهته مع أصدقائه في حي فيصل بالجيزة ستكون ربما يومه الأخير حرًا على الأراضي المصرية. ورغم تحذيرات عائلته وتداول أنباء المداهمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظن عادل أن عربات الشرطة لن تقتحم الأزقة الضيقة في الحي المترس بأعداد ضخمة من السكان، وستكتفي بالشوارع الرئيسية، لكن الوهم تبدد حين فوجئ بعربة شرطة تقف أمامه فجأة. ورغم تقديمه ورقة التوثيق الرسمية من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تجاهل أفراد الأمن هذه الأوراق، مطالبينه بالتحدث بالعربية.
تنقل نرجس، ناشطة سودانية في حي أرض اللواء وصديقة لأسرة عادل، الوضع القاتم الذي يعيشه السودانيون في مصر لأصوات إفريقية، قائلة: “الجميع يعيش في رعب. الاعتقالات تتم أحيانًا بناءً على لون البشرة فقط، بافتراض أن كل ذي بشرة سمراء هو سوداني”. وتضيف بمرارة: “مثل عادل، كان الكثيرون يحملون بطاقات تسجيل رسمية، لكن الشرطة تمزق هذه الوثائق أمام أعينهم قبل إجبارهم على ركوب الحافلات”.
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في منتصف أبريل 2023، باتت مصر الملاذ الأول للفارين من أهوال هذا الصراع، فيما تشير أرقام دولية إلى أن أكثر من 1.2 مليون سوداني وصلوا إلى الأراضي المصرية منذ هذا التاريخ، ليضافوا إلى 3 ملايين آخرين كانوا موجودين سابقًا. وتشير تقديرات السفارة السودانية بالقاهرة إلى أن العدد الإجمالي يبلغ حاليًا 6 ملايين.
لكن اندلاع هذه الحملة الأمنية الأخيرة في منتصف ديسمبر الماضي، غير وجه العاصمة المصرية بشكل جذري؛ فالحضور السوداني الذي كان واضحًا في الشوارع خلال الفترة الأخيرة بدأ يتوارى، مع خوف هذه الجالية من الخروج إلى الشارع والساحات العامة.
على المجموعات الخاصة بالسودانيين على منصات التواصل الاجتماعي يسود الهلع. تتداول الجاليات قصص حيوات محطمة وأسر مزقتها عمليات الاعتقال يصعب التدقيق فيها. تتحدث بعض المنشورات عن سيدة اعتُقلت وتركت خلفها أمها المسنة وشقيقها الذي يعاني من التوحد بلا معيل، وأخرى عن مأساة رجل في مدينة الإسكندرية اعتُقل وهو في طريقه إلى جلسة غسيل كلوي، ليفارق الحياة بعد فترة وجيزة من احتجازه. وأخرى عن مواطن مسن يُدعى مبارك اعتُقل ولقي حتفه داخل قسم الشروق بالقاهرة. كما وثقت منظمات حقوقية مصرية وفاة المراهق نذير الصادق البالغ من العمر 18 عاما في قسم شرطة بدر، بعد معاملة وصفتها أسرته بغير الإنسانية. آخرون ينشرون عن أقاربهم الذين اختفوا بمجرد الخروج إلى الشارع وانقطعت أخبارهم. حتى شراء الخبز يحتاج إلى شجاعة محفوفة بالمخاطر، مع اختفاء مراهقين أرسلتهم أمهم لابتياعه.
تقول نرجس: “لم أعد أجرؤ على إرسال طفلي لقضاء حاجة، والمرضى يتجنبون المستشفيات خوفًا من الكمائن. نعيش الآن كالمجرمين المطاردين، رغم أننا مجرد منفيين”.
غياب الحماية
وأمام هذه الموجة، يشعر اللاجئون بـ”الخذلان التام”. تقول فاطمة، وهي ناشطة سودانية أخرى: “لا صفة اللاجئ ولا تصاريح الإقامة القانونية توفر لنا الحماية الآن. نناشد المفوضية لإنقاذ القصر من الترحيل، لكن طلباتنا غالبًا ما تبقى دون رد، وحتى السفارة السودانية لا تتدخل”.
وفي حين تلتزم الحكومة المصرية الصمت حيال حجم الترحيلات، تؤكد البيانات الدولية تسارع هذه الحركة. ففي نهاية يناير، كشفت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 3 ملايين شخص عادوا إلى مناطقهم في السودان مؤخرًا، 17% منهم قدموا من دول الجوار وعلى رأسها مصر. فيما تقدر “منصة اللاجئين في مصر” أن أرقام الترحيل وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مقدّرة باعتقال 5 آلاف سوداني خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير والأول من شهر فبراير. وبالتوازي، تسير مصر قطارات عودة للسودانيين إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية.
يرى نور خليل، مؤسس منصة اللاجئين في مصر، أن المشكلة تكمن في “الفراغ القانوني”؛ فغالبية اللاجئين السودانيين في مصر لا يحملون وثائق سارية، إذ تحدد المفوضية مواعيد تسجيل تصل إلى عامي 2027 و2028، مما يترك العائلات بلا وضع قانوني. ورغم أن التشريع المصري الجديد يتيح تقنين الأوضاع مقابل 1000 دولار، فإن هذا المبلغ يُعد “فلكيًا” لأسر فرت من ويلات الحرب وبأعداد ضخمة.
مثل نرجس، لا تستطيع تسجيل أسرتها بالكامل؛ فقد قدمت السيدة ومعها 7 أطفال، وهو ما يحتاج إلى مبلغ ضخم لتقنين الأوضاع، مع تجديده بشكل سنوي.
وكشف تقرير نشرته منصة اللاجئين في مصر، تحت عنوان “لا ملاذ آمن.. حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين في مصر”، أنه “استُخدمت أزمة تجديد الإقامات، والتأخر المزمن في مواعيد التسجيل والتجديد لدى المفوضية والجهات الرسمية، أداةً فعلية لتحويل أعداد واسعة من اللاجئين إلى “مخالفين” على الورق، رغم علم السلطات بالعوائق البنيوية التي تحول دون تسوية أوضاعهم القانونية في المدد المنصوص عليها”.
وأكد التقرير أن هذا النمط رافقته ممارسات متكررة، أبرزها مصادرة وثائق الحماية، بما في ذلك بطاقات المفوضية، عند احتجاز لاجئين وطالبي لجوء، وهو ما جرّد العديد منهم عمليًا من صفة “لاجئ/طالب لجوء”، وأتاح تمرير قرارات إبعاد وترحيل خارج أي إطار فعال للحماية الدولية أو لضمانات عدم الإعادة القسرية.
لا تقتصر الضغوط على السودانيين، بل تمتد إلى السوريين بأساليب “تعجيزية”؛ إذ تتحدث تقارير عن فرض السلطات على الموقوفين منهم حجز ودفع ثمن تذكرة الطيران للعودة كشرط لإخلاء سبيلهم من الاحتجاز.
وترافقت هذه الحملة الأمنية الميدانية مع هجمة إلكترونية شرسة. خلال الشهرين الماضيين انتشر وسم “#ترحيل_المهاجرين_مطلب_شعبي”، وبحسب منصة “صحيح مصر”، شارك نحو 26 ألف حساب في نشر خطاب كراهية استهدف حتى المتاجر والمطاعم السورية. ويعلق خليل: “هذه الحملات تديرها لجان إلكترونية تحاول تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمة الاقتصادية في البلاد”.
أسباب خفية
في حين تظل دوافع هذا التصعيد ضبابية، تكشف تقارير إعلامية عن شائعات بأن الجيش السوداني قد يكون طلب من القاهرة استعادة بعض المواطنين إلى مناطق سيطرته، وكذلك لتجنيد شباب للقتال في الحرب الدائرة هناك.
لكن بعيدًا عن هذه الشائعات، تربط منصة اللاجئين بين هذه الإجراءات وتعميق الشراكة المصرية الأوروبية. فخطة التمويل الأوروبية لمصر (7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027) تخصص مئات الملايين لمكافحة الهجرة غير الشرعية وبرامج “العودة وإعادة الإدماج”.
تختتم نرجس: “مصر استضافتنا، ونكن لها كل الاحترام، لكن كيف يمكن إعادتنا قسرًا إلى وطن تنتشر فيه مجاعة ولا مكان فيه للعيش بأمان؟”.
تم تعديل اسماء الشخصيات في التقرير بطلب منهم.


