هدأت هرجيسا مع حلول الليل. المدينة، التي تعج بالضجيج نهارًا، حبست أنفاسها بعد الغروب، ولم يكسر صمتها سوى نباح كلب بعيد وهمس الريح بين الأزقة. وفي قلب هذه العتمة، لمعت أضواء الشاشات الصغيرة، كعيون تترقب شيئًا ما.
ذلك الشيء جاء عبر بث مباشر. جلس الشاعر حسن ظاهر إسماعيل، المعروف بـ«ويدسامي»، وأمام كاميرا هاتفه، بدأ في إلقاء قصيدته «المدّعي». لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى انفعال زائد، لكن الكلمات كانت كافية: اتهامات بالفساد، وتساؤلات عن العدالة، ونقد مباشر للسلطة.
مع الساعات الأولى، خرجت القصيدة من الفضاء الرقمي إلى الشارع. صارت حديث المقاهي، ومادة للنقاش في البيوت، ومصدر جدل على صفحات التواصل الاجتماعي. لم يتأخر الرد؛ كتب شعراء مؤيدون للحكومة قصائد مضادة، بينما اصطف آخرون خلف ويدسامي، لتتحول المسألة إلى سجال شعري مفتوح.
وسرعان ما عُرفت هذه الموجة باسم «ميملي»، نسبة إلى الحرف الذي افتُتحت به معظم القصائد، لتغدو خلال أسابيع ظاهرة لافتة كشفت عن النفوذ المتجذّر للشعر في المجتمع، وقدرته على إشعال الجدل أو تهدئة الأزمات.
ولفهم لماذا يمكن لقصيدة أن تهز نقاشًا عامًا في شمال الصومال، لا بد من العودة إلى تاريخ تشكّل هذا المجتمع، حيث سبقت الكلمة السياسة، وظلّت جزءًا من واقعه منذ بداياته المضطربة.
من الوحدة إلى واقع ما بعد الانهيار

في صيف عام 1960، حصلت المناطق الشمالية الصومالية (المستعمرة البريطانية سابقًا) على استقلالها، في خطوة تزامنت مع قرب انتهاء وصاية إيطاليا على الجنوب. وفي غضون أيام، اتحد الشطران لتشكيل جمهورية الصومال الموحدة، في لحظة تاريخية عكست آمال الصوماليين في بناء كيان وطني جامع يتجاوز الانقسامات التي فرضها الاستعمار.
لكن تجربة بناء الدولة الوليدة واجهت تحديات مبكرة، فكما يوضح المؤرخ البريطاني إيوان لويس (I. M. Lewis)، وهو من أبرز المتخصصين في تاريخ الصومال، في كتابه “تاريخ الصوماليين الحديث”، تركزت هياكل السلطة بشكل كبير في العاصمة مقديشو، وهو ما أدى مع مرور الوقت إلى شعور بعض النخب في الشمال بتراجع تمثيلها في الإدارة المركزية.
تعمقت هذه التحديات بعد عام 1969، مع وصول محمد سياد بري إلى السلطة وتبني الدولة نهجًا مركزيًا صارمًا. ويوثق لويس كيف أن السياسات المتبعة خلال السبعينيات والثمانينيات، بما في ذلك الحملات العسكرية في بعض المناطق الشمالية، فاقمت من التوترات الداخلية وأثرت على طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف.

مع انهيار الدولة المركزية في مطلع التسعينيات، ودخول البلاد في دوامة من الحرب الأهلية، وجدت المناطق الشمالية نفسها في مواجهة فراغ سياسي وأمني. وفي هذا السياق، انعقد مؤتمر في مدينة هرجيسا عام 1991، جمع شيوخ العشائر والقيادات المحلية في محاولة لإدارة شؤون منطقتهم وتجنيبها الانزلاق إلى الفوضى التي عمت الجنوب.
وهنا، يشير الباحث مارك برادبري (Mark Bradbury)، المعروف بدراساته الميدانية العميقة للمجتمعات المحلية في المنطقة، في كتابه “أن تصبح صوماليلاند“، إلى أن الكيان الذي نشأ في الشمال لم يكن وليد قرار سياسي أحادي، بل كان نتاجًا لمسار طويل من التوافقات المجتمعية.
ووفقًا لبرادبري، لجأت المجتمعات المحلية إلى مؤسساتها التقليدية، مثل مجالس شيوخ العشائر، كأداة عملية لإرساء الاستقرار وإدارة الحياة اليومية في ظل غياب سلطة مركزية، أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا مكتملًا منذ البداية.
الكلمة التي حكمت القبائل
قبل أن تتشكل ملامح الحكم الحديث في شمال الصومال، كانت الكلمة حاضرة في المشهد بقدر حضور السياسة نفسها. وكان الشاعر في قلب هذا العالم، يراقب ويفسر، ويقدم ما لا تقوله المجالس، حاملًا قصيدته كأداة نفوذ يعوّل عليها الجميع.
في كتابه الشهير “الخطوات الأولى في شرق إفريقيا” (1856)، سجّل المستكشف البريطاني ريتشارد بيرتون ملاحظة لافتة في هذه المناطق: لكل زعيم شاعر يمثله، يدافع عنه، بل ويكشف أخطاءه أمام الناس. وقد تجاوز هذا الدور حدود الرمزية إلى التأثير الفعلي، فبيت شعر واحد كان قادرًا أحيانًا على تهدئة نزاع، أو إشعال توتر بين جماعتين.

يفسر الصحفي والباحث مبارك فؤاد في الشأن الصوماليلاندي، خلال حديثه لـ «أصوات إفريقية»، هذه المكانة الفريدة بارتباطها بوظيفة اجتماعية راسخة؛ فالشاعر في الوعي الجمعي هو وسيط أخلاقي بين الناس والسلطة، ينقل الغضب أو الرضا بصيغة مقبولة، ويقول ما يتجنب الزعماء التصريح به. لذلك كانت قصائده تُستقبل بجدية، حتى حين تضع أصحاب القرار في موضع حرج.
وخلال السبعينيات والثمانينيات، برز الشاعر محمد إبراهيم ورسمة، المعروف بـ«حدراوي»، كصوت استثنائي استخدم القصيدة في النقد السياسي المباشر لنظام محمد سياد بري. تحولت قصائده إلى رموز للاحتجاج تنتشر سرًا وعلنًا. في قصيدته الرمزية “الأم” (Hooyo)، انتقد إهمال الدولة، وفي رائعته “مقتل الناقة” (Halkii Abeesada)، أطلق تحذيرًا صارخًا من أن تجاوزات النظام ستقود لانهيار كل شيء. السجن والنفي رسّخا أثره، وألهما أجيالًا لاحقة بفكرة أن الشاعر في هذه البيئة هو صاحب موقف مؤثر في المجال العام.
وعندما انهار النظام المركزي عام 1991، لعب الشعر دورًا عمليًا وحاسمًا في المصالحات الأهلية. فالمؤتمرات التي أسست للهياكل الإدارية الأولى في المنطقة كانت تُفتتح بالقصائد، ويُستشهد بكلمات شعراء بارزين لتثبيت الاتفاقات، وإقناع الأطراف بقبول تسويات شاقة، في سياق سعى لمنع الانزلاق مجددًا للاقتتال.
يشير الباحث مارك برادبري إلى أن عددًا من القرارات الكبرى تبلورت داخل مؤتمرات المصالحة، في اجتماعات حية كان الشعر فيها أداة للتوافق لا تقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة. لقد كان الشعر أداة إقناع وضبط اجتماعي، تُستخدم لتهيئة المناخ العام ودفع الأطراف نحو صيغ مقبولة.
ويرى مبارك فؤاد أن هذا الاعتماد على القصيدة هو امتداد لطريقة محلية متجذرة في إنتاج الشرعية، حيث يميل المجتمع لتصديق الكلمة المسموعة التي تخاطب الذاكرة والقيم. هذا الإرث الطويل هو ما يفسر لماذا لا يزال الشعر حتى اليوم مساحة مفتوحة لطرح ما يصعب تداوله في السياسة المباشرة، ومجالًا حيويًا لمناقشة الفساد والموارد والسلطة، بصوت قديم يثق به الناس.
القصيدة بلسان جديد

في مقهى صغير على أطراف هرجيسا، كانت الشاعرة الشابة هداية محمد تراجع على هاتفها مقطع فيديو لقصيدة ألقتها قبل أيام في مهرجان الكتاب. في الخلفية، يختلط ضجيج الشارع بصوتها وهي تلقي أبياتًا تتأمل المعنى، وتطرح أسئلة عن الهوية والواقع في زمن يتغير سريعًا.
تبتسم بخجل وهي تقرأ التعليقات التي انهالت على صفحتها في فيسبوك؛ بعضها يشيد بجرأتها في الحديث عن النساء والحب والحرية، بينما يهاجمها آخرون لأنها، في نظرهم، تجاوزت “لغة القبيلة”. بين الإعجاب والرفض، تبدو القصيدة وقد خرجت من إطارها التقليدي.
تقول هداية: «أبي كان شاعرًا أيضًا، لكنه لم يتخيل يومًا أن تُلقى القصيدة على شاشة هاتف. كان يقول إن الشعر يُقال في المجالس… وأنا الآن أقوله للعالم كله».
يرى الباحث مارتن أورين، في دراسته عن الأدب الصومالي الحديث، أن القصيدة في شمال الصومال، مع احتفاظها بوظيفتها الاجتماعية، أعادت تعريف جمهورها. فبعد ارتباطها طويلًا بفضاء العشيرة، وجدت لنفسها مكانًا في ساحة أوسع تُصاغ فيها هوية أكثر تعددًا، وتُطرح أسئلة جديدة تتجاوز منطق الانتماء الواحد.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فاتساع رقعة التعليم، وانتشار الإنترنت، وعودة مهاجرين من أوروبا، غيرت جميعها من إيقاع الحياة الثقافية في هرجيسا. ومعها تغيرت وظيفة القصيدة؛ لتصبح أقرب إلى مرآة يومية ترصد التفاصيل الصغيرة، وتسخر من الواقع، وتفتح نقاشات لم تكن مطروحة من قبل.
ويشير مبارك فؤاد إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، بدلًا من أن تضعف حضور الشعر، منحته طبيعة جديدة. فالقصيدة، كما يقول، لم تعد تُلقى ثم تُترك لتداول شفهي بطيء، بل أصبحت جزءًا من نقاش حي؛ تعلق عليها الجماهير، ويعاد مشاركتها، وتُفكك أحيانًا وتُعاد صياغتها، خصوصًا بين الأجيال الشابة وفي أوساط الجاليات الصومالية من الشمال في المهجر. بذلك، تحولت العلاقة بين الشاعر والجمهور من تلقّي صامت إلى تفاعل مباشر.

في مهرجان هرجيسا الدولي للكتاب، الذي يُوصف أحيانًا بـ”برلمان الشعراء”، تتجسد هذه التحولات بصريًا. شاب يرتدي سماعات يقف إلى جوار شيخ يلف عمامته البيضاء. يتبادلان القصائد عبر الميكروفون ذاته، كلٌّ بلغته ورؤيته للعالم، في مشهد يكشف كيف تتعايش الأشكال القديمة والجديدة داخل الفضاء الثقافي نفسه.
ويوضح مارك برادبري أن هذا المشهد يعكس قدرة الثقافة المحلية على التجدد دون أن تفقد جوهرها، فالشعر ظل، رغم تغير وسائطه، وسيلة سياسية غير رسمية تعبر عن المجتمع وتختبر نبضه خارج الأطر المؤسسية.
وبين المجالس القديمة وشاشات الهواتف، تواصل القصيدة حضورها في شمال الصومال، متكيفة مع فضاء جديد لم يعد فيه الجمهور واحدًا.
الشعر: السلطة الموازية

تكشف سجالات «ميملي»، التي اجتذبت أكثر من تسعين شاعرًا، حقيقة راسخة في شمال الصومال: الشعر هنا ليس فنًا للتسلية، بل أداة قوة فاعلة في صميم الحياة السياسية.
هذا الدور ليس جديدًا. فشخصيات مثل جاماك كالي حسّان «غاشان-كيد»، كانت جزءًا من نخبة الشعراء الذين استخدموا قصائدهم المسجلة على الكاسيت كأداة للضغط والتوافق خلال مؤتمرات المصالحة الحاسمة في مطلع التسعينيات، مما ساهم في تشكيل الإدارة الوليدة آنذاك. لقد كانت قصائدهم بمثابة بيانات سياسية ورقابة مجتمعية في غياب المؤسسات.
واليوم، انتقلت هذه القوة من شريط الكاسيت إلى البث المباشر. يكتب ويدسامي قصائده على فيسبوك لتصل إلى آلاف خلال ساعات، محولًا الإرث الشفهي إلى نقاش رقمي واسع، أكثر سرعة وقدرة على التأثير.
يمتد هذا التأثير إلى قمة الهرم السياسي. والمشهد السنوي المتكرر في مهرجان هرجيسا الدولي للكتاب هو خير مثال، حيث يجلس الرئيس موسى بيحي عبدي في الصفوف الأمامية مستمعًا لنقد لاذع موجه لحكومته من شعراء يقفون على المنصة.

يفسر مبارك فؤاد استمرار هذه الظاهرة بأن الشعر، ببساطة، هو المصدر الذي يثق به الناس. “الجمهور”، كما يقول، “يصغي للكلمة التي تُقال علنًا وتُناقَش بينهم أكثر مما يصغي لوثيقة رسمية لا يرى نفسه فيها”.
وتجسدت هذه الحقيقة في أوجها حين تزايدت التسريبات الإعلامية التي تتحدث عن تقارب محتمل بين هرجيسا وإسرائيل. في لحظة الصمت السياسي الرسمي، تدخل الشعراء ليعبروا عن موقف الرفض. أطلق «ويدسامي» بطل قصتنا، قصيدته «الدخيل»؛ لوحة شعرية بليغة ترسم صورة “غريب” يطرق بابك، يعدك بالكنوز، لكن عينه على بيتك وإرث الأجداد.
هكذا، تتكشف الصورة الكاملة: بينما تُبنى السياسة الرسمية عبر المؤسسات، تتشكل في شمال الصومال سلطة موازية، أكثر تجذرًا، قوامها الكلمة. القرار الرسمي قد يصدر من مكتب، لكن شرعيته الحقيقية تُختبر في قصيدة يتداولها الناس.


