منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح البري، يخيّم ارتباك وجودي على قلوب النازحين الغزيين في مصر. فخلف ذاك المعبر الذي يربطهم بعائلاتهم وما تبقى لهم، تكمن أسئلة مريرة ومسارات متناقضة: هل يعودون إلى ركام بيوتهم وذكرياتهم بينما تتواصل الإبادة عليهم، أم يبقون ليصارعوا وحشة الغربة وضيق ذات اليد في “الوطن البديل المؤقت”؟
..
عقب الإعلان الرسمي عن استئناف عبور معبر رفح في بداية فبراير الماضي، تحزم عبير إبراهيم، 36 عاماً، أمتعتها بجدية وإصرار. هدفها واضح: العودة إلى القطاع الفلسطيني في أسرع وقت ممكن. وصلت في مارس 2025 برفقة 5 أطفال لعلاج أحدهم في مستشفى مصري، تحكي الأم إنها” عالقة“ دون دخل ومحرومة من أي شبكة دعم اجتماعي، تقول لـ”أصوات إفريقية: “أريد العودة إلى غزة، لقد ملأت بالفعل استمارة السفارة الفلسطينية للمتقدمين للعودة”.
وصلت عبير إلى القاهرة في مارس 2025 من أجل علاج انبها المريض بتليف كيسي. أخذت معها بناتها الأربعة، والطفل المريض، بينما تركت زوجها وابنها الأكبر في القطاع الفلسطيني، كان أملها علاج ابنها سريعا والعودة إلى القطاع الذي حظي وقتها بفترة هدوء مع بدء سريان الاتفاق الأول بين حماس والاحتلال الإسرائيلي.
كل آمال عبير تبخرت، فعلاج ابنها ليس سهلا في ظل عدم توافر الأدوية المتخصصة، واستمرار الإبادة التي اضطرتهم إلى النزوح لمرات عديدة. تشرح بأسى: “لم نحقق أي من أهدافنا. أشعر أنني جئت إلى هنا من أجل لا شيء. ليس لدي أي وسيلة للعيش هنا. لماذا أستمر في العيش بعيداً عن وطني، في حين أن زوجي وابني الأكبر بقيا في غزة؟”.
تقيم عبير وبناتها وابنها في شقة متواضعة سلمتها لهم وزارة التضامن الاجتماعي خلال مرحلة العلاج. رغم ذلك، ينتاب السيدة رعب خفي، فهذه الغزاوية لم تتعود على الحياة في المدن الكبرى، وتخشى على بناتها من التنقل وحيدات في مجتمع لا يعرفنه. الخوف الأكبر من كونها مريضة بالتصلب وتخشى أن يدركها الموت وتترك بناتها وحيدات: “ليس لدي دخل إطلاقا، أحد الأسر تعطينا ١٠٠ دولار كل شهرين، هذه لا تكفي العيش الحاف، أخشى أن يصيب مكروه ابنتي التي تخرج كل يوم للدراسة. أكبر مخاوفي هو أن أموت هنا، تاركة أطفالي وحدهم في هذه المدينة، تضيف”.
مثل عبير – تريد آلاف العائلات، ولا سيما النساء وأطفالهن الذين جاءوا لتلقي الرعاية الطبية – العودة إلى غزة. وتوثق سجلات السفارة الفلسطينية في القاهرة هذه الرغبة: فقد سجل أكثر من 30 ألف مواطن للحصول على إذن بالعودة إلى القطاع، وهو ما يمثل حوالي 30% من الفلسطينيين الذين وصلوا إلى مصر منذ اندلاع الحرب. على الرغم من ذلك، لم يتخط عدد العائدين المائتين منذ عودة عمل المعبر، مع تباطؤ الحركة أو توقفها منذ اندلاع الحرب الإيرانية نهاية فبراير الماضي.
ومع ذلك، فإن الشهادات التي تفيد بقيام قوات الاحتلال الإسرائيلية باعتقال الفلسطينيين بشكل منهجي عند عبورهم إلى غزة تثير ذعرًا حقيقيًا لدى أولئك الذين يرغبون في العودة، لا سيما أولئك الذين انتقدوا إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي أو الذين لديهم موقف سياسي. كان هذا الذعر واضحاً لدى العائلات التي اتصلنا بها: فهم يخشون أن تؤثر شهاداتهم في وسائل الإعلام على عودتهم أو تؤدي إلى انتقام عند وصولهم.
تقول عبير، واصفة هذا الرعب في قلوب آلاف الفلسطينيين: “في قلبي 100 رعبة، أخشى أن أبقى وأموت، وأخشى أن أعود فيتم تعذيبنا في المعبر، بين هذا وذاك، هناك مصير مجهول. والله لا أعرف ماذا أفعل”.
تشارك إسراء جلال، عبير في همها. تقول الفلسطينية التي وصلت إلى مصر في منتصف فبراير الماضي: “بعد ما سمعناه من الذين عادوا، صرنا نحسب حساب كل شيء. نخشى التعذيب والتنكيل مننا”.
جاءت إسراء إلى مصر برفقة ولدين وبنت، وتركت ابنها ذي السنوات العشر وحيدا في غزة. رفضت السلطات الإسرائيلية حينها سفره معها. لكن تجدد القتال في مايو الماضي، جعلها تعيش في رعب: “أنام وأصحى على كوابيس. أجلس أمام التلفاز 24 ساعة لأعرف أماكن القصف وتحركات ابني. أصبحت مثل خيال مآتة ثابت ومفزوع. أنا لا أفزع غيري، لكني أنا المفزوعة”.
ويؤكد أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والمقيم بالقاهرة لـ”أصوات إفريقية”، أن هناك سياسة ترهيب متبعة: “الاحتلال يحاول منع العودة من خلال تحقيقات ترهيبية تسأل العائدين عن سبب رجوعهم، خاصة من كانت لهم مواقف سياسية أو نشاط على مواقع التواصل”.
لكن بالنسبة للآخرين، فإن الرغبة في العودة تصطدم بواقع مادي لا يمكن التغلب عليه. بالنسبة لأبو مصباح، وهو من مخيم مغازي في وسط غزة، فالعود إلى وطنه المدمر كالعودة إلى العدم: “أعيش هنا مع ثمانية أفراد من عائلتي، منهم ستة مراهقين. لقد دمر منزلي بالكامل. ليس من المنطقي أن أتخلى عن شقة في الوقت الحالي لألجأ إلى خيمة مع أطفالي، في انتظار وجبة طعام توزعها إحدى الجمعيات”.
يحكي: “لدي رغبة كبيرة في العودة، كنني لن أعود في هذه الظروف. لن نستطيع تحمل شتاء تحت خيمة، محرومين من أي وسيلة للعيش”.
على عكس أولئك الذين ينتظرون العودة، اختار جزء من الجالية الغزاوية إطلاق مشاريع… في أحياء مدينة نصر أو مدينة 6 أكتوبر في القاهرة الكبرى، تظهر اقتصاد فلسطيني جديد، عشرات المطاعم والمحلات الحرفية، التي أسسها منفيون هربوا من القتال، تزدهر، وتشهد إقبالاً قياسياً مدعوماً بعملاء متضامنين ولكن أيضاً بعرض منتجات عالية الجودة.
ومع هذا الوضع، يبقى الفلسطينيون الموجود في مصر في منطقة “رمادية”، فلا قادرين على البقاء في مصر خوفا من وضع مادي متدهور وغياب التضامن الاجتماعي، ويخشون العودة إلى قطاع دمر وأصبح رهن قوة الاحتلال. بين عبير وإسراء وأبو مصباح، تظل حقائبهم حاضرة، في انتظار تحرك جديد في حياتهم.


