spot_img

ذات صلة

جمع

الفلسطينيون العالقون في مصر بين رعبين: العودة لغزة أو العيش في المجهول

منذ الثاني من فبراير الجاري، وتحديداً مع لحظة الإعلان...

الصوت الذي يشبه الحرية: أم كلثوم كما سمعتها أفريقيا

لم أكن ذاهبا للبحث عن أم كلثوم، كنتُ فقط...

“I have a UNHCR card!” — Adel’s cry, unheard by the deportation vans

Since last December, Egypt’s governorates—most notably Cairo—have witnessed a...

الصوت الذي يشبه الحرية: أم كلثوم كما سمعتها أفريقيا

لم أكن ذاهبا للبحث عن أم كلثوم، كنتُ فقط في طريقي لاستقلال القطار. تنزانيا بلادٌ شاسعة، والمسافة بيندار السلاموموروغوروتمتد غربا كأفقٍ لا ينتهي. القطار هناك ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو مساحة زمنية مؤقتة؛ حيزٌ صغير للحياة تتقاطع فيه أصوات الناس، لغاتهم، وألوانهم.

يدلف المسافرون ويغادرون، يجرّون أمتعتهم وضحكاتهم، يتحدثون خليطاً من السواحلية والإنجليزية ولهجاتٍ محلية شتى. كلٌ يحمل حكايته الخاصة، وكلهم يمضون في الطريق ذاته، حتى وإن غابت عنهم وجهتهم النهائية.

وبينما أستعد للصعود، باغتني صوتٌ أعرفه حق المعرفة؛ صوتٌ لا يضلّه سمع، ولا يخطئه وجدان.. صوت أم كلثوم.

توقفتُ مذهولاً، كمن يسمع اسمه يُنادى فجأة وسط زحامٍ غريب. نظرت حولي وتكهنت: “لا بد من وجود مصريٍّ هنا.. أو عربيٍّ على الأقل“. كان الصوت ينبعث من عمق القطار، فصعدتُ أفتش بعينيّ عن وجهٍ مألوف أو ملامح قريبة، لكنني لم أجد سوى وجوهٍ أفريقية صافية، وعيونٍ هادئة ترقب الطريق الطويل بصمتٍ.

اقتربتُ من مصدر الصوت لأتبين الحقيقة، وهنا كانت المفاجأة: رجلٌ تنزاني يجلس بمفرده، مطرقاً برأسه، ينساب من هاتفه المحمول شدوالست“. لم يكن حوله عربيٌ واحد. سألته بالإنجليزية، فأجاب بمزيجٍ من السواحلية والإنجليزية، لكن المعنى كان ناصعاً:

نعم.. نعرفها. هذه أم كلثوم، ولها هنا محبون كثر“.

لم يقلأحب الغناء العربيأوأحب مصر، بل نطق اسمها مجرداً، كأنه يذكر فرداً عزيزاً من عائلته. جلستُ بجانبه؛ هو لا يفهم مفردات الأغنية، وأنا لم أشعر بحاجةٍ للشرح.. كان الصوت وحده كافياً.

في تلك اللحظة، تداعت إلى ذاكرتي شهادات سمعتها من أفارقةٍ كثر؛ كلماتٌ لم تأتِ من نقادٍ أو مثقفين، بل خرجت عفويةً من القلوب. صديقة كينية قالت لي ذات مرة: “صوتها يشعرني بأن شيئاً عظيماً يقف أمامي، حتى لو لم أفهمه“. ورجلٌ من غرب أفريقيا وصف غناءها بأنهيجعل الإنسان يشعر بأن هناك من يحكي عن الصبر“. شاب سوداني كان يرى فيها وقاراً صوفياً: “دي بتغني زي الشيوخ لما يقروا“. وقال شاب فرنسي بشغف لا يزال يرن في ذهني: “صوتها لا يُفرح، ولا يُحزن.. إنه يثبّتني.”

تذكرتُ مقولة الطيب صالح عن القاهرة بأنها مدينةٌ يتربى فيها الوجدان قبل العقل، وكانت أم كلثوم هي المحرّك السريّ لهذا الوجدان، دون قصدٍ منها، ودون أن تنادي أحداً باسمه. كلمات هؤلاء الناس خالية من التحليل الموسيقي، لكنها مشبعة بالإحساس. وأم كلثوم في جوهرها كانت إحساساً، نَفَساً طويلاً، ومداً هادئاً؛ صوتاً واثقاً لا يلهث خلف التصفيق، صوتاًمرئياًيمتلك زمام الزمن.

كان فيلا كوتي” (Fela Kuti) يرى أن الغناء الحقيقي هو السيطرة على الوقت، وأن تصبح الأغنية مساحةً للمقاومة، وهذا تحديداً ما كانت تفعله أم كلثوم. تساءلتُ وأنا أرقب الطريق: لماذا هذا الصوت بالذات؟ لماذا أم كلثوم؟ ولماذا هنا؟

الإجابة ليست وليدة اللحظة، بل هي ضاربة في التاريخ. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن مصر مجرد دولة، بل كانتفكرةوحلماً، صوتاً جهوراً في وجه الاستعمار. كانت القاهرةقبلةحركات التحرر الأفريقية، والصوت الخارج منها وصل إلى أقاصي القارة. أم كلثوم كانت جزءا من هذا الصوت. لم تغنِ أم كلثوم السياسة بصورةٍ مباشرة، لكن صوتها كان موقفاً بحد ذاته؛ ثباتاً لا ينكسر، وهذا ما احتاجته أفريقيا: ليس خطاباً تعبوياً، بل إحساساً.

حتى في أغاني الحب، لم يكن وجدها ضعفاً، بل تجسيداً للصبر والإصرار. لهذا لم يسمعها الأفارقة كغريبة؛ ففي ثقافتهم، البطء ليس عجزاً، والتمهل ليس إطالة، بل هو توقيرٌ للحكاية.. وأم كلثوم كانت تحترم الحكايات. ولعل أبرز تجليات هذا الالتحام كان مع الشاعر السوداني الهادي آدم؛ ذلك الشاعر ذو اللغة العربية والروح الأفريقية الخالصة. حين غنّت لهأغداً ألقاك، لم يكن مجرد تعاونٍ فني، بل كان اعترافاً بأن هذا الصوت يحمل في طياته إفريقيا. قال الهادي آدم عديد المرات:“أم كلثوم لم تغنِّ القصيدة، بل عاشت بداخلها“. هي علاقة تبادلٍ لا استقبال؛ أفريقيا أعطت الحكاية، ومصر صاغته غناءً.

عندما ترجلتُ من القطار، تذكرتُ القرى التي مررنا بها؛ قرىً مجهدة وفقيرة، لكنها لم تفقد هويتها وصوتها. هناك، لا يُعد صوت أم كلثوم ترفاً أونوستالجياباردة، بل هو صوتٌ يعوضهم عما فُقد. لم تكن تغنيعنأفريقيا، لكنها غنّتلأشياءتعرفها أفريقيا جيداً: الانتظار، الخسارة، الكبرياء حين يٌجرح، والصبر الذي لا يطلب الشفقة.

كتب نغوجي واثيونغو عن الثقافة كساحة للمقاومة، وعن الأصوات التي تمنح الشعوب شعوراً بالوقوف حتى وهي منهكة. وفي دراسات الثقافة العابرة للحدود، تُذكر أم كلثوم كنموذجٍ للفنانةغير الأفريقية ثقافيا، والأفريقية وجدانياً“. صوتها لم يكنأبيضأو خفيفاً استهلاكياً، بل كان صوتاً مسبوكاً بالتعب.

في المقاهي، والبيوت، وعبر أجهزة الراديو المشوشة، حين ينبعث صوتها، يسود صمتٌ مقدس: شخصٌ يتجمد الكوب في يده، وآخر يغمض عينيه، وثالث يترقب الجملة حين تُعاد بصيغةٍ أعمق. كتب صحفي غاني ذات مرة عنها: “لم أفهم الكلمات، لكني فهمت شعور ما بعد الاستقلال: فرحٌ حذر، وكرامة تخشى الانكسار“.

لم تحتج أم كلثوم إلى ترجمة، كانتنبرةكافية للعبور. واليوم، في أقاصي المدن الأفريقية، حين تسمع صوتها يخرج من راديو قديم، وترى شخصاً واجماً في حضرة الإنصات، تدرك أن أم كلثوم لم تعبر الصحراء.. بل كانت الصحراء جزءاً من صوتها.

واصل القطار رحلته، وخفتَ الصوت قليلاً، أما أنا فقد استقر في يقيني أن هذا الصوت لم يأتِ من بعيد، بل هو صوتٌعاد إليّبعد أن طاف العالم، ليثبت أن أم كلثوم لم تغنِّ لمصر وحدها، بل غنّت لكل إنسانٍ لا يزال يبحث عن صوته.

يا ست.. ياللي لا قبلك ولا بعدك“.

spot_imgspot_img